من: أختك دوماً


ماذا يعني أن تُتّهم بما ليس فيك؟ وأن يظنون بك ظن السوء؟ وأن يتباهون بسوء ظنهم، وسوء خلقهم، وسوء عقلهم، بمجرد اتهامهم المجرد لك؟

ماذا يعني أن يلقبونك ويعنونونك ويلصقون بك إشارات ضالّة بضلال أفكارهم؟

ماذا يعني أن ينخرون كالسوس من أسفل السلم، لتقع من علياك، لأن علياك يعكر مزاجهم؟

ماذا يعني أنك مكتمل الذكورة، ذكر ذو قوامة، وأنك تتخذ من قوامتك سبباً للتسلط والبغي، وطمس كل ما هو جميل؟ وأن تعتدي لأنك آلة بيد الغير لإفساد حياتك أنت شخصياً؟

ما هو الجهل؟ ما هي قلة المعرفة وانعدام الثقافة؟

ما هو الكلام الفارغ؟ والمصلحة الفارغة؟ والأوعية الفارغة…أقصد الرؤوس الفارغة؟

ما هي القصص القديمة المكررة؟ التجاوزات القديمة المكررة؟ التشاؤم القديم المكرر؟

ما هو التظاهر؟ التظاهر بالصداقة الحميمية، التظاهر بالود والألفة، التظاهر بالاهتمام والحب والقرب والإحساس المرهف والتفهم والتفاهم والتماسك والفيس بوك والقرف…؟

إذاً ما هو الأدب؟ قلة الأدب؟ قلة الاحترام؟ قلة الوعي؟ قلة القراءة؟ قلة التركيز وكثرة اللزوجة؟

ماذا يعني أنك متعب ولكنك صابر؟ أو الصبر بالرغم من التعب؟ أو أنك تعرف حقيقة تقلب الأحوال بين تعب مدّعي للصبر وصبر جميل؟

ماذا يعني أنك لا تعرف حقيقة أي شيء؟ أنك لا تعرف سوى دعاءك المتفاني لله الكريم أن يحقق دعاءك المتفاني، وأنك كمحصلة حفنة مكدسة متكدسة من التراب؟

أخي – بما اني الأخت دوماً -، ماذا تعني الأشياء والأحداث والمواقف والألقاب والمفاهيم والمصطلحات والمذاهب والمِلل؟

ماذا يعني أنك ملتحٍ ولكن بلا دين، لأنك صاحب فكرة دين خاطئة، مضلل كما الارهابيين؟ أنك تستخدم الدين شماعة لموتك في الحياة، ومحاولة قتل من حولك؟ لأنك متعصب، ومتجمد، متكدر، ومكدّر؟ لأنك بلا أخلاق سامية كأخلاق النبي، ووصايا النبي؟ لأنك بالنهاية بلا لحيتك (بلا مظهرك)… لا شيء. أنت لا شيء يذكر، فتدينك الظاهري وتنظيرك العلني هو طريق إنحدارك للأسفل.

ماذا يعني أنك لست ملتحٍ ولا تصلي، ولكنك متوكل على الله في الأمور كلها؟ “كالحجة أم العبد”، أنك تمشي على الفطرة، ولكنك لا تحكّم عقلك فيما تؤمن ولا تعرف ماذا تقول ولا كيف تفعل؟ أنك بلا أخلاق سامية (أيضاً) كأخلاق النبي ووصايا النبي؟ أنك كالطفل المسير، بلا مبادئ، بلا ميزان للصح والخطأ. وأنك بلا عقل وحكمة، فأنت لا شيء، لا شيء يذكر. وأن رعونتك وانغلاق عيناي بصيرتك عن الحقيقة والحق، هي الطريق إلى نهايتك.

جدياً، ما أهمية أن يُقال عنك الدكتور فلان، أو المهندس فلان، أو البروفسور بطيخ؟ هل أنت بالون تحتاج النفخ لتنفخ؟ هل أنت أكثر قيمة كإنسان بذلك اللقب الملاصق لبالونك؟

ماذا تعني أموالك التي تفيض نهاية الشهر؟ أنك تسخى بمالك الفائض؟ أنك بذلك تجد قيمتك…بقرشك المعاد تدويره؟

حقيقةً، أنا أملك القليل القليل من كل شيء، والأقل الأقل من الحقيقة، كوني مليئة بالأخطاء والعيوب. ولكن خذها نصيحةً مني (أنا، كما تعرفني وتلقبني):

لا تكن كالذي ينعق بما لا يسمع، كالذي لا يفقه القول وهو سفيه.

ببساطة، لا تكن كافراً.

إقرأ المزيد

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , , | أضف تعليق

خنصر

خنصران هما الشبه الأكيد

خنصران هما الشبه الأكيد

كل ما يمر عليك في حياتك، يكوّن جزء منك،

حتى تصبح أنت ما عليه من نفسك، أنت أنت،

جمع من الأحداث والمواقف تحتفي بك.

أنت أنت.

وهيَ هيَ.

———- 

1/24

بمحض اللاصدفة واللاخطأ، ولدت أنا. كاملة الخلقة ولله الحمد، وأصبع يد معقوف، الخنصر من كل يد. شبهوني به بأمي، بمحض اللاوراثة. 

شبهوني بأمي لأكثر من سبب، استدارة الوجه مثلاً. 

لم أعرف أن بعد 28 عاماً، سأكوّن في نفسي نظريات للمقارنة أيضاً. 

———- 

5/20

قبل عام، تم التوقيع على ورقة تخوّل لحياة أن تكون.

جزآن من الكيان ذاته، مادتان من المحلول ذاته (مخصص للخلق الجديد)، تتوحدان لإنتاج ما قدره الله مسبقاً أن يصبح. حتى قبل ذلك العام.

هيَ هيَ. 

———- 

12/14

مازالت طفلة صغيرة.

بل صغيرة جداً،

جنين في بطن أمها.

هيَ، لي لي.

———-

12/15، 2:20 صباحاً

تسع درجات أمامها داخل نفق ضيق، ومن بعدها ضباب يمنع الرؤية الواضحة. تتخطاهم بصبر الواثق بقدر الله، مع صعوبة الدرجات الاخيرة، وتمشي في الضباب، متنقلة من برودة إلى دفء يزداد دفءً. وتصل هي، بالنهاية، لوضوح الرؤية.

وُلدت غاليتي، بأصبع صغير معقوف، واحد في كل يد. الخنصر، هو الشبه الأكيد. 

———-

1/24؛ بعد ثلاثة عقود إلا عام

ميلادي العشريني الأخير، كنت أخطط لأمر آخر في هذا اليوم.

فعلى التقويم الزمني المثالي لحمل وُضع في بطني، موعد استقبال ابنتي يسبق ميلادي بيوم. كنت أقول مازحة: سأصمد، لنتشارك أنا وابنتي نفس الذكرى السنوية.

ولكن شاءت الأقدار، ولم يحدث المراد اتباعاً لمثالية تترنح وتتهاوى من حولنا. طفلتي خرجت لترى مصباح غرفة الولادة وتنير هذه الدنيا في آخر شهري الثامن، قبل ستة أسابيع من موعدها الافتراضي. لم تسنح لها الفرصة ليتم نموها كاملاً، ولكنها اكتفت بما حصلت عليه من قوة استعانت بها لتبدأ مشوار عمر، خيّر وطويل وسعيد بإذن الله.

هي ليان، أو لي لي، التي أكملت الأربعين يوماً. اليوم، لاحظ أبوها أنها كبرت حقاً.

واليوم، أنا لا أحتفل بنفسي، ولا باستقبالها كما خططت، بل أحتفل بها في ذكرى مولدي: بولادتها وُلدتُ من جديد.

معها ولها، فهي الرفيق والهدية، حتى النهاية.

في حملي المنتظر والمشتهى بلي لي، لا أدري لما، ولكني خفت من التأخير في البداية، خفت من التقديم في النهاية. عشت، ومازلت أعيش، في خوف متواصل على ابنتي. قد يكون هذا جزء لا يتجزأ من الأمومة. قد يكون جزء لا يتجزأ من شخصيتي: الحرص الشديد، والحماية الزائدة لكل ما يخصني. وابنتي تخصني، من أكثر ما خصني. فهي بضع مني.

وهي تعرّفني، كأعظم نعمة رُزقت بها. فأنا معها، قلبي يلازمها وينبض بها، حين أصبحت أماً لها.

ولله الفضل والمنة. 

————

2/14

بعد عام من الزواج، بدأ مشوارنا الحقيقي بكل ما يخص الزواج كما هو فعلاً، صدقاً، أمانةً.

ذلك تذكرة، أنه في خضم ما يحدث في الدنيا، مازال هناك مجال للحب، ولو ليوم في السنة.  

———–

6/15

لي لي أصبحت ست شهور اليوم. منتصف الطريق حتى تقطع شريط العام الأول من عمرها، أطاله لها وأسعدني بها. 

نصف العام مرّ كالبرق، كالوميض، كغمضة العين. 

هكذا تمر السنون. 

هكذا كبرنا نحن. 

———–

8/9 

أما اليوم، فكل ما أريده هو أن يحفظ لي ابنتي قرة عيني من كل سوء، وأن لا يريني بأساً بزوجي وأهلي، وأن يمدّ عمري بما فيه خير لدنياي وآخرتي. 

وعلينا جميعاً السلام. 

نُشِرت في عن لي لي, عن الحياة | الوسوم: , , | 2 تعليقان

أقصد، العدم

أدري تماماً ماذا أنتظر...

أدري تماماً ماذا أنتظر…

حدث ما، حادث ما. ذكرى سنوية لم تأتِ سوى مرة.

لست بالضرورة أنا، ولست بالضرورة أنت.

ولسنا ضرورة في العالم.

فلا تحلم كثيراً بالكلمات.

———

(الخامس من أكتوبر، العام الماضي)

أجلس على كرسي خشبي
كرسي حديقة
هي خضراء
وهو بني
بني محترق، كلون الأشجار
أقصد، مهترئ، كلونه

أمامي عصفوران صغيران، يتراقصان
حول كومة حبوب
لا تعرف من ترفئ بحالهما بتلك الحبوب
أحد المارة الرؤوفين، حتماً
أقصد، أنا أعرف جيداً أولئك الناس
عابري السبيل ممن تلفت أنظارهم الأشياء الصغيرة البسيطة
كزهرة ذابلة، بلا ضوء تسترشد به
ضالة للطريق، كعابر السبيل الضال للطريق
أعرفهم
لأني منهم
أقصد، عبرت الكثير من السبل
حفظتها عن غيب
فقد تقاطعت جميعها
حتى وصلت إلى نقطة البداية
أقصد، لم أصل إلى أي مكان
وها أنا، بين أيديكم
أجلس أنتظر

أدري تماماً ماذا أنتظر
هناك شيء بالأفق قادم، وبسرعة
أدري تماماً ما هو
كابوس ربما
المهم أنه شيء حلمت به كثيراً
أقصد، مراراً
دوماً
ما دمت حياً، حلمت
أقصد، أنا أحلم الآن…

أحلم بحياة أفضل لي
بلا عنصرية ضد عنصري
لست متأكداً ما هو عنصري
أقصد، قد يكون النحاس
برونزي مصفر – لون كريه، لا قيمة له
أقصد، هم يعاملوني كالنحاس
هم. تعرفهم، صحيح؟
ولكني أشعر بأني ذهب
أحلم أن أصبغ ذهباً
بالبعد عنهم هم

أحلم بحياة أفضل لعائلتي
أولادي، أن يولدون بأفضل المستشفيات
أن يدرسون بأفضل المدارس
أن يصاحبون أفضل البشر
أن يسافرون أفضل الأماكن
أن يعيشون أفضل حياة
أقصد، أنا أستطيع أن أمنحهم كل هذا
فلما لا يسمحون لي بشرف العطاء؟
هل كرههم للآخر يعميهم؟
هل عماهم يصيبهم بحالة من التطرف؟
فتحجرهم يرهقني
أقصد، يحجرني

أحلم ببعض من التقدير والاحترام
بحب متبادل، برفقة، بأن لا يتركوني وحيداً
أن أصبح أولوية عندهم
أقصد، “هم” آخرون، هم قريبون مني، وليس الغرباء المتوحشين
أقصد هذا فعلاً

أسكت عن ترهاتي قليلاً
أرجع للصورة المتحركة أمامي:
العصفوران يطيران إلى الأعلى
فوق غصن شجرة، يتقوقعان معاً
تحت ظل ظاهر
فالشمس تزداد حرارةً
حتى في الشتاء
لا شيء يوقف الشمس عن تسريب أشعتها
يتخفيان أكثر، لا يتحدثان إلى بعضهما البعض
يتحاشى أحدهما الآخر، حتى في الزحام، بين الغرباء
يناظران المحيط
يراقبان الأفق
ينتظران مثلي
يملاّن مثلي
يصدران صوتاً…مملاً
بل هما مملّان مثلي
أقصد، أنا أمِّل سريعاً، ذلك طبعي
حتى من آمالي أمِّل
منها خصوصاً
قد يكون لأني بها أكرر نفسي
أكرر نفسي
أكرر نفسي…
أوف، كم أكرر نفسي!

الشمس لا تسرب أشعتها هذه اللحظة
فقد غابت أخيراً
أقصد، لها منزل تعود إليه هي أيضاً
على الأقل، بعد إنتصاف دورة الأرض
انتهى اليوم
وانتهى وقتي معه
مع الأسف، فهناك الكثير لأقوله
لم أُنقذ هذه المرة
أقصد، وصلت لنقطة البداية هذه المرة أيضاً
أقصد، العدم

———

مقتطف من ديوان "حالة حصار" لمحمود درويش:
"أنا، أو هو" 
هكذا تبدأ الحرب. لكنها 
تنتهي بلقاء حَرِج:
"أنا وهو"
"أنا هي حتى الأبد"
هكذا يبدأ الحب. لكنه 
عندما ينتهي 
ينتهي بوداع حرج:
"أنا وهي"
لا أحبك، لا أكرهك، قال معتقل للمحقق: قلبي مليء
بما ليس يعنيك. قلبي يفيض برائحة المريميّة، 
قلبي بريء، مضيء، مليء،
لا وقت في القلب للامتحان. بلى، 
لا أحبك. من أنت حتى أحبك؟ 
هل أنت بعض أناي؟ وموعد شاي
وبحّة ناي، وأغنية كي أحبك؟
لكنني أكره الاعتقال ولا أكرهك.
هكذا قال معتقل للمحقق: عاطفتي
لا تخصك. عاطفتي هي ليلي الخصوصيّ...
ليلي الذي يتحرك بين الوسائد حرّاً
من الوزن والقافية!
نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , | أضف تعليق

اليوم لا يشبه الأمس

"سيطلع من عتمتي قمر."

“سيطلع من عتمتي قمر.”

عنوان هذه المقال عمره ثلاثة سنين أو يزيد، كنت أنوي بها الحديث عن فلسطين، عن أردوغان، عن وضع المنطقة المبشر بالخير. اليوم، لا أرى فائدة من هذا الصخب الكلامي: ففلسطين كما هي – غزة في معركة لأسابيع، ثم يعود الجميع (أو ليس الجميع) إلى قواعده؛ الضفة والقدس والـ ٤٨ تنتفض، كما انتفضت لها سابقاً، كما ستنتفض دوماً. ومن ثم؟ “ألا بُعداً لعاد”، الكرّة ستتكرر اليوم والأمس والغد. أما أردوغان، فيبقى بالسلطة مرحباً به، والمنطقة تشتعل بفتيل من الفوضى.

لا، لا شيء مبشر بالخير.

لا شيء يدعو للتفاؤل، لا شيء يدعو للأمل العربي العاطفي الهوائي الصبياني الداعي للسخرية. لا شيء سوى حياتك الخاصة، إن عرفت للبشرى طريق.

فالوضع السياسي معقد، بل أكثر من معقد بحيث يعجز عقلك القاصر عن تركيب قطعه، وإن كانت المقاومة كمفهوم ومصطلح بعيداً عن التحزب والتفصل بسيطة ولا تجد بشري أو بهيمي طبيعي يقف إلا معها.

فبالمقاومة تمضي بيومك، تقاوم كل ما يعكر صفوك، تقاوم الأسى وفقدان الأمل، تقاوم من يعاديك ويبغى الشر لك، ممن عرفت سرائرهم بطبائعهم.

بالمقاومة أنت تحيا، كما الأوطان المستعمرة تحيا.

بارقة نور، في ظل الظلام ودماسته.

اليوم لا يشبه الأمس، لأن بالأمس كنت طفلاً، لم تختبر ما مرّ بك من تجارب، لم تطلبها ولكنها كُتبت لك خصيصاً. لأن بالأمس أبهرتك النجوم، وما هي إلا غازات مشتعلة ستنطفئ حتماً، ولم تعِ وقتها أنك على كوكب تعيش، ومن هوائه تتنفس، ومن مياهه ملوثة كانت أم نصف ملوثة، تشرب. لم تعلم أن الكوكب واقعك وحقيقة أمرك، بكل من فيه من علل وأمراض.

منه خرجت وإليه ستعود، عنوةً إن لم ترضَ.

منه خرجت وإليه ستعود.

وفي خضم كل هذه الحكايا السقيمة، وطنك ومجازره الداخلية ودماؤه النازفة لا تحرك فيك ساكناً. فهو يتلبسك، يرجع إليك كما لم تفنيه منك يوماً، يعود إليك كما هو حقيقةً، بلا أقنعة حمقاء آمنتَ بوجودها: وطنك هو الأرض. أرض طُردتَ منها قبل أن تولد، طُردتَ منها بعد أن ولدت، طُردتَ من بقعة ملكتها حقاً راشداً لم تبلغ عمرك الكبير ذاك سوى مرة. ولكنك طُردت.

اليوم ليس كالأمس، لأن كل ما قالوه لك، كل ما عهدته، ليس صحيحاً. ليست الشعوب أساس الأوطان، فالله يستبدل أمماً كاملة وتبقى الأوطان. ليس قلبك أساس حياتك، فالله يملك قلبك وثباته بين يديه. ولست مهماً سوى لنفسك، فأنت على مر الأزمنة والتواريخ، لست سوى فرد وإن رزقك الله بذرية، ستنتهي ويأتي من بعدك أعداد كالنمل.

ليس كل ما قالوه صحيح، فلا تصدق ما يقولوه. فلا فلسطين ستتحرر وأنت على ذلك شهيد، كما لم تتحرر بعد “يقظة” شعوب رضيت بالظلم والقمع شريعة لها. ليس كل ما قالوه صحيح، ولا ما يفعلونه صحيح، تلك شريعتهم هم.

اليوم لا يشبه الأمس، لأن الدنيا ليست كما عرفتها، كما توقعتها، كما أردتها. لأنك كبرت، لأنك لست أنت.

فاكتفِ بشريعتك أنت.

——

سيطلع من عتمتي قمر. – محمود درويش

نُشِرت في عن فلسطين, عن الحياة | الوسوم: , , , , , , , , , | أضف تعليق

حرائق مبتلّة

وتبحث عن نفسك...

وتبحث عن نفسك…

في يوم مظلم،

يبدأ كل شيء في الظهور والاختباء.

قبل كل ظهور، وبعد كل اختباء، هناك شيء لا يحتمل المماطلة، أو التأجيل، أو التسويف.

هناك شيء لا يطيق صبراّ على الأشياء الشبه عادية في الحياة، كالسخافات، كـ “حكي النسوان”.

قد يحرقك هذا الشيء، وأنت تحاول إنقاذه.

لا يعنيه أنك تحاول فعل الخير معه.

فذلك الشيء،

تعلوه الشمس الساطعة،

ومن أسفله قنابل مشتعلة سلفاً.

تبدأ الشعلة بالارتفاع حتى تصل أعلى الدرجات، كنجوم السماء، كطموح فتاة أكبر من هذه الحياة.

تصل الشعلة للشمس، فتأكل كل ما هو قابل فيها للاحتراق، كغاز الهيدروجين، كأشجار الماموت، كقلب عاجز.

وتحرقها أيضاً.

في لحظة، يصل الحريق إلى كل ما هو جميل، ويستنفذه. يفنيه، كأنه ما كان يوماً حقيقة تمشي على الأرض؛ تحيله إلى جثة غزاها الدود، من قعر البطون.

بعد النفاث الأخير، تنعدم أسباب الحرائق، كسطل ماء بارد ومسكوب.

ففي الحرائق المبتلة، يتخلف الدمار.

تماماً كما عهدت: حرائق تأكل الأخضر واليابس، تنطوي على فعل شرس، فعل لاعقلاني، أهوج وغاضب.

حرائق تعلمك بحقيقة نفسك الأمّارة بالسوء. لكنك تعرف تمام المعرفة، أنك لا تخلق من عدم، فهناك ما يغذي الحرائق، بوقود آتٍ من الحاضر أو حتى الماضي – كذكرياتك اللامنتهية، وأفكارك المغروسة بوجدانك من قبل، ومشاعرك المتأججة حنقاً ممن لا يتوانى عن تطعيمها بسُمٍّ لاهب.

نهايةً، الحرائق تخلّفك أنت.

تبحث عن أشلاء نفسك، وبعضك، وكلك.

تبحث، وقد تجدها، وقد يطول البحث، وقد تطول إعادة التركيب والترتيب.

في لحظة، تجد نفسك في يوم مظلم، يظهر به ضوء، ويعاود الاختباء.

بين البينين، تتوه أنت.

لكنك تحتاج للأمل بأي حال. تحتاجه بلا شروط ولا تحفظات؛ تحتاج أن تؤمن بالاستفادة من النار والبلل، أن الدرس قد عُلِم، وحُفِظ في الذاكرة الطويلة الأجل.

تشكر حرائقك المبتلة، فهي أساس حياتك الآن.

هناك يلتقيان، الضد وضده. يتقابلان كالصديقين الغائبين منذ دهر، فيفترقان كالعدوين المتخاصمين، في كل مرة.
صعب تعلم ذلك الدرس، ألم الفراق. صعب للغاية، لأنه يتكرر باستمرار. لأننا أعقد مما تخيلنا، كوننا دروس وعبر، لغيرنا من البشر، غيرنا الذين لا نعرفهم، ولن نعرفهم أبداً.

 

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

راقصة حزينة

وحسبها تلك

وحسبها تلك

لحناً سمعته مراراً، لا تدري أين، بالأغلب في الإعلانات التلفزيونية.

لحن ملفت، استمعت له في محيطٍ تنتمي لثناياه، ترتاح فيه، تشعر بانتشاءٍ من بعده.

يعالجها، ذلك المحيط. يحفزها، ذلك اللحن.

تبدأ دورانها، تتراقص على وتر حسّاس.

دوران حول نقطة مركزية، بلا مركز تدور حوله.

تلك شيمتها: الدوران خارج السيطرة، في أكثر الأوقات صعوبةً، وأكثر المواقف رعونةً.

ليست كالأخطبوط، فلها ذراعان، وحسبها تلك.

تتصرف بهما كالمحترف بتحريك أعضاء جسده، كالمتمكن القادر الذي يعرف ما يريد وما وجهته.

تتصرف بهما بتلقائية فطرية، ومهارة لامسبوقة.

تتصرف بهما تمثيلاً.

تمد ذراعيها إلى جانبيها، تتماوجان كحامل الزبد. تتعلقان فوق رأسها، تترنحان كالثعبان.

ترمي بهما حيث لا تشكل صورتهما عائقاً يذكر.

تحرك قدميها إلى اليمين واليسار. تثبتهما على الأرض، واثقة من اتصالها الأزلي بحفنة من تراب مدفون.

تحرك جسدها، إلى الأسفل، إلى الأعلى.

تستند على عضلاتها التي قويت لذاتها، ولم تقو لها. وهي، لم تنتنظر أن تستقوي بها.

تختلط عظامها، بصوت ارتطامها بقاع عارٍ.

تفقد توازنها، بالرغم من استمرار اللحن.

تتأرجح على حد رفيع، بين شريّن، حيث النار تستعر بالأسفل.

ذلك الحد، تراه على وجنتها، بين عينيها. يغوص في عمقه كلما زاد تعكرها.

تلمع عينيها بدمعة لا تذرفها. تنطفئ عينيها بفكرة لا تفصح عنها.

تغلق عينيها، تغلق فمها؛ لا أبواب لها الليلة.

لطالما عرفت ذلك الحد، وما قد يؤول إليه بأي لحظة تلتهب بها أعصابها.

لطالما تركت نفسها للخراب.

كالوطن الذي لا تطيق بعداّ عنه.

عنوةً يجذبها.

لا تستطيع إلاّ أن تنجرف، تحترق، تستحيل رماداً، ومن ثم…تعتذر عمّا لم تفعل.

حقيقةً، هي عالمة بالوجه الحقيقي لرقصتها.

تراه كل صباح ومساء في المرآة.

ترى بها جمالها بكل ما يحمل من قبح، غرورها بكل ما يحمل من تصنّع، حزنها بكل ما يحمل من صدق.

وجه رقصتها هو وجهها، وأوضح ما فيها.

عملة واحدة، غير صالحة للتداول.

فلطالما عرفت مكانها كراقصة – هي راقصة حزينة.

إن أثارت فضولك وبحثت عنها، هناك ستجدها…تؤدي رقصتها، على لحن مستمر.

وحسبها تلك.

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , | أضف تعليق

تشويه III: وطن

حيث الرحيل إلى وطن تنتمي إليه

تأتيك صدفة مقدرة في أقل الأوقات مناسبةً.

بحثت طويلاً عن مكان تشد إليه الرحال، تتغنى به ولو سراً، حيث كل شيء لحق لا يشبه أي شيء سبق، ناشداً تجديد روحك ومفتاحها.

ذلك الهدف النبيل كان من ضمن المعقول والمحصول. حقاً، فالأوطان بكل أنواعها، مبعثرة على الطرقات – بكل أنواعها، قديمة كانت أم حديثة، حقيقية أم مزيفة. لكن لم يخب أملك بهذا الوطن. صادقاً، صافياً، رائعاً كان.

فالغرفة، غرفتك الخاصة، ما زالت مخبأك المقدّس، تشعرك بالأمان كما كانت دوماً، بالرغم من إختلاف الأثاث وإحداثيات المكان. كأنّها نقلت كما هي، على جناح مكسور.

والمنزل، يملك عبقاً يأتيك من زمن بعيد، عشته مرتين على حد أقصى. انتميت إليه دوماً، ولو بالإسم، ومن ثم بالروح. استقر بداخلك، حباً وطواعية.

صورة وطن تعنيك، لما فيها من تاريخ يصله بك. وطن هجرّت عنه، ولكنك موعود به. حتى يأتيك في وقت لم تتوقعه، يأتيك حيث تحتاجه، لتعرف قيمته.

قد كتب لك نصيباً، قبل ولادتك. لم تره وقتها، بدراية أو بغفلة منك، بحجاب غُلّف به نظرك لسنين. ذاك الوطن كما اكتشفت، قد تعرض لهزّات أصابت جوهره وكيانه. وقف صامداً، على أي حال. لم يملك خياراً بالسقوط.

وطن يمثلك، بكل ما فيه، حتى باختلافاته عنك.

أما قضية التزامن – إلتقاء الماضي بالحاضر بالمستقبل – فهي غامضة، تدعو لوقفة تأمل؛ كحكمة قدر، استجابة لصرخة استغاثة لم تطلقها قط. بل لم ترد غيثاً، لم تعرف ما الذي كان ينقصك على أي حال.

أنت بذاتك أردت أن تعيش مع تشويهك. ألفته، كما يألف العبد سيده، الأسير جلّاده، المريض خاطفه، من طول مدة الوهم. تدخل القدر، بوطن رحلت له أخيراً، رائحته مألوفة، رائحته تملكها في ذاكرتك القادمة.

أخيراً، تدخل القدر خيراً، فلا ينتشر تشويهك الموبوء، ليصل لبؤرة روحك، حيث تقيحها يبطلها، فيبطلك حياً ترزق.

لم تبطل، ولن تبطل، مادام ذلك الوطن موجود، يحميك حتى من نفسك. على أرضه، يريدك ساكنه ومحتله. بباقة ورد يهديها، رداً لضرر قد بليت به. يغمرك في مائه، وجهك مبلل بالكامل، تخرج وتنظر في المرآة.

تحمد الله على عطائه، ها أنت ترى عينيك بوضوح.

—-

قلبه يكفينا نحن الاثنان.

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , | أضف تعليق