عصفور طيّار

لن ترتاح حتى تكون نفسك

 

في هذه الدنيا نتصادف بكثير من البشر، سواء بإرادتنا أو بحكم القدر. وفورا قد نرى حسنات أو سيئات الأغلب، تندمج أرواحنا مع البعض أو تنفر منهم، ونمشي مشوار عمرنا أو نيف منه مع القليل. 

ولكن السؤال المهم: مع من يكون الإنسان نفسه؟ بصحبة من من هؤلاء القلة المختارة يشعر “بالراحة في جلده”؟ 

فحتى مع هؤلاء الأقرب إلى الروح المنتقين من الأبعد عنها، فإن التواجد معهم ليس بالضرورة يضمن للإنسان حرية أن يكون نفسه حقا؛ أن يشعر أن لا قيود عليه في التعبير عن حقيقة شخصه الفعلي وفعل شخصه؛ لا عيون تتربص به للإسراع في الحكم عليه والتنكيل به؛ لا آمال معلقة عليه وتوقعات منتظرة منه أن يحققها؛ لا نفوس ملؤها الحسد والحقد والأنا. لا شيء…لا شيء على الإطلاق. 

فحتى المقربون قد يكونوا بعيدين عن الإنسان في هذه الجزيئية، وهي أهم جزيئية في العلاقات البشرية من وجة نظري. 

وأنا لا أقول أن وجود هؤلاء لا أهمية له، وتواجدهم في حياة الفرد بلا قيمة أو هدف. لكنه مع ذلك يعتبر ناقصا، لا يحقق أهم إحتياجات الإنسان من محيطه. على الأقل، حتى يظهر ذلك الإنسان المميز في حياتنا جميعا — إن كنا من المحظوظين. 

 ذلك الإنسان هو من يعطي لأخيه الإنسان المساحة اللازمة ليتكون وينضح؛ ليناقش ويجادل؛ ليجرب ويخطأ؛ ليفشل ويصيب؛ ومن ثم ينجح ويصل إلى مراده – سواء كانت فكرة أو مبدأ أو حلم أو معركة أو تحدي أو أي هدف في حياه الإنسان -، ويعيد الكرة مرار وتكرارا حتى يكون قبل أن تنتهي دورة حياته. 

فهو هناك كالمرآة التي تعكس حقيقة صاحبه بكل ما فيها من جماليات وسلبيات، بحيث يرسم على هذه الحقيقة صورة تسامح وتقبل بلا حدود أو شروط. 

فهو كمن يقول بأفعاله قبل كلماته: “كن ما شئت، قل ما شئت، بلا خوف، بلا تحفظ، وبلا مجاملة. فأنا لن أوقفك، لن أحاول أن أسيطر عليك بوضع رقابة على كلماتك، ولن أثقل كاهلك بتوقعاتي التي لا تعنيك. فحتى لو لم أتفق معك، فلن أكون لك إلا عونا وسندا…مهما حدث أو لم يحدث.” 

وذلك هو الإنسان المميز في حياتنا، فتأثيره الإيجابي ذو درجة كبيرة بحيث يمنحنا طاقة وإيمان ورؤية لنبني ونزدهر داخليا وخارجيا، أفرادا ومجتمعات. 

قد تكون تلك من الأماني البعيدة في زمننا المادي هذا — وجود شيء بتلك الشفافية والروحانية الصادقة. ولكنها مع ذلك – تفاؤلا وتمسكا برفق الله – موجودة…وإن ندرت. 

فهي قد تكون في أم، أب، أخ، أخت، أحد الأقرباء، صديق، أو زوج. أو حتى إن يأس الإنسان من روح البشر، فقد يجد ضالته في منفذ غير حي لتفريغ طاقته وإنماء حياته، كهواية إبداعية ما يحقق بها قيمته. 

وأحمد الله أن لي بعضا من الحظ لأعيش به. 

 فمعلمتي عن الحياة الأولى هي من لحمي ودمي، أختي رانيا. وهي أيضا قناتي في رؤية الذات والتعبير عنها والإيمان بها. 

فأحمد الله على وجودها كما هي في حياتي، كما أحمده على نعمه الكثيرة علي. 

وللبشر ممن أعرفهم من بعيد، أو قريب، أو أقرب من القريب، أو ممن لا أعرفهم على أية حال…فليسجلوا ما سأقول: 

يا معشركم: اسمحوا بأن نكون — فكلنا عصفور طيار. 

 

مقتطف من مسرحية هاملت لشيكسبير:
  
من الفصل الأول، المشهد الثاني
  

هاملت: أوّاه، يا ليت هذا الجسد الصلد يذوب
وينحل قطرات من ندى،
يا ليت خالق الأكوان والإنسان لم يسن شريعته ضد قتل النفس.
رباه، رباه.
ما أشد ما تبدو لي عادات الدنيا هذه
مضنية، بالية، فاهية، لا نفع فيها.
ألا تبّا لها! تبّا تبّا لها!
إنها لحديقة لم تعشّب، شاخت وبزّرت،
لا يملؤها إلا الفطر وكل مخشوشن نتنت رائحته.
أهكذا تنتهي الأمور - لم يمر على موته شهران -
بل أقل من شهرين؛ أقل من شهرين،
ملك رائع، إذا قورن بهذا...
يا أرض، يا سماء! أمحتوم علي أن أتذكر؟...
يجب أن أصرف فكري عنه. أيها الضعف، إسمك المرأة!
شهر مضى، ولم يبل بعد ذلك الحذاء
الذي مشت به خلف جثمان أبي
ودموعها تنهمر مدرارا، مثل نيوبي...
لا خير فيها، ولن تنتهي إلى خير.
ولكن تحطم أيها القلب، وأمسك أيها اللسان عن القول.
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to عصفور طيّار

  1. Essoo كتب:

    على راسي والله يا شام يا بنت فلسطين

  2. Hasan AbuGhali كتب:

    كلمات تستحق ان ترفع لها القبعه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s