فلتتوقف المقارنة

تذبل الزهور عندما لا تجد من يقدرها حق قدرها...وكذلك البشر.

تذبل الزهور عندما لا تجد من يقدرها حق قدرها...وكذلك البشر.

كثيرا ما نسمع آباءنا وأمهاتنا عندما يريدون تحفيزنا على أداء شيء لا رغبة شخصية أو لحظية لنا فيه، 

نسمعهم يقولون: ألم ترى إبن فلان وعلان يفعل كذا وكذا؟ لما لا تستطيع أن تكون مثله؟ 

وخصوصا في أمور الدراسة ويترتب عليها من مستقبل — مالي مربح بالدرجة الأولى. 

لا أعتقد أنه يوجد إثنان من أبناء الأجيال التي عاشت وتعيش تلك التجربة يختلفان على مقدار البغض ومشاعر الإستفزاز المتولدة من ممارسة ذلك الأسلوب على ضحاياه. 

وهذا فقط في مرحلة الإعتماد الكلي على الأباء، وداخل محيط الأسرة والمدرسة والجامعة. 

فكيف لنا عندما نرى رؤيا العين كيف أن ذلك المسلسل الدرامي من المقارنات والحسرات والإحباطات يمتد فعليا إلى مراحل أبعد ونطاقات أوسع؟ 

هذا التوسع والإمتداد يحدثان كأمر واقع، لأنها عادة المقارنة أن تعم خيرها على الجميع. 

وإن إبتدأت داخل دائرة الأسرة، فما هي إلا أطباع الأفراد المكونة لهذه الأسرة، المكونة لذاك المجتمع — فالعدوة تشاع وتنتقل بصورة بديهية جدا ومتوقعة جدا. 

والطامة الكبرى أن من وقع عليه لعنة المقارنات تلك، وأثرت عليه بمرحلة حساسة في حياته مهما كانت، ولم يستطع أن يرى سوءة وبأس هذه العادة ببصيرة مبصرة وعقل منفتح، فهو ما يلبث أن يتبنى هذه العقلية ويطبقها على نفسه (بأن يضع نفسه في موقف المقارن) قبل أن يطبقها على الآخرين. 

أي يمارس هواية جلد الذات وتعذيبها وإنتقاصها حق إنسانيتها وتفردها عن غيرها…وبكل بساطة. 

أجل، فمقارنة شخص بآخر ما هو إلا تقليل من إحترام ذلك الشخص بمجرد نطق لفظ يوحي مقارنته بغيره، وما هي إلا إهانة للطرف المستقبل للمقارنة. 

فلكل إنسان طبيعته وميوله ورغباته وظروفه التي تميزه عن غيره، بحيث أن طبيعته المحددة لمساره في هذا العالم ما هي إلا خلاصة الهدف الذي خلق من أجله هو تحديدا. 

وبذلك لا تجوز المقارنات…بتاتا. 

وما تحدث المقارنة إلا بسبب قلة المعرفة عند كثرة من البشرة — قلة معرفة بنفس الإنسان…وبقيمته أيضا. 

قد لا تكون هذه أعظم مصائبنا، ولكنها مع ذلك ليست بالسيئة الصغيرة. 

لذا في المرة القادمة التي يوجه لك ذاك النقد المخزي الذي لا محل له من المنطق، فليكن الرد: 

فلتتوقف المقارنة… 

فنفسي تكفيني لأحيا في محرابها. 

  

 

مقتطف من رواية "مذكرات دجاحة" للد. إسحاق موسى الحسيني:
جلست أمس في الظل أنظر في حياتي هذه، وأقابلها بحياتي القديمة،
فأحمد الله على أن ساقني إلى مسكني الجديد سوقا لا خيرة لي فيه.
يظهر أن المخلوق مسير في هذا الوجود، وأنه يدفع إلى الخير أو الشر
دفعا ليس له فيه رأي ولا حيلة.
مادام الأمر كذلك فلم يعنى المخلوق بكشف الغيب وتعجل المصير.
ليعمل في يومه ما يؤمن له الراحة والسرور، وليترك الغد لبارئ الخلق.
والطمأنينة الوحيدة التي قد تقوم مقام التطلع
إلى المستقبل هي عمل الخير المحض،
فالخير الصالح هو الذي ينهي حياة يومه
ونفسه راضية أتم الرضى عن عمله في ذلك اليوم.
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

One Response to فلتتوقف المقارنة

  1. Hasan AbuGhali كتب:

    أكثر من رائع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s