البقاع الممطرة

مقعد فارغ وقلب مملوء في بقاع ممطرة

مقعد فارغ وقلب مملوء في بقاع ممطرة

كتب لنا أن نسافر من منطقة بالأصل هي صحراء مقفرة، ما أزهرت إلا بعد أن تفجرت عيون النفط فيها من أموات الماضي البعيد،

إلى أرض لا يكف هطول أمطارها في أي من الفصول الأربعة…أو هكذا أسمع.

لا ضرر في المطر، فهو خير على الأرض التي ينساب عليها.

ومن خيره، تظهر هذه الأرض خضراء مورقة للناظرين،

رغم أن هطوله المستمر يولد شعور الكآبة المتعارف عليه — فالشمس غائبة، ولا مصدر فعلي يوازي دفء الشمس.

ولكن تقلبات الجو تدفع القادم الجديد إلى إنتظار رحمة الشمس على أي حال.

والشمس لا تخيب آمال المتفائلين،

فبعد كل نوبة مياه سمائية لا تلبث أن تطل من وراء الغيوم لتحيي مستقبليها.

وهي فعلا رحيمة بذلك،

بل أرحم من البشر في هذه البقاع الممطرة.

فكون الغريب غريب، ومظهره يدل على مهيته، يعتقد البشر المقيمون أنهم ملكوا حقا ما في إنتقاد أصل القادم الجديد…بالنظر إليه.

فمن نظراتهم تُلمح أرواحهم، وما تدلي به عيونهم يصل إلى أرواحنا بلا لف ولا دوران كما هو الحال مع حواراتهم الفارغة، وإبتساماتهم الأكثر فراغا.

فما تفسير أن الكبير والصغير والرجل والمرأة ممن قد تصادفهم في الأرجاء العامة ينظر إليك كمن رأى أعجوبة تقبع في ديارهم — غير مرغوب فيها في أحيان؟

لا أدري ما التفسير، ولكن المرء يتلقى إشارات، وعلى إثرها يسجل إستنتاجه.

الأغلب أن ممن يشعرون “بالإستغراب” والنفور لوجود الآخر إما بجاهل، أو بناقص — وكلاهما محصلة للآخر.

لا أعنونهم، ولا أعمم عقولهم تحت مظلة الجهل أو النقص، وبذلك لا أتهمهم،

لسبب بسيط —

أنني لا أهتم لهم.

فعندما تنظر لي عجوز في البنك بعقليتها المغبرة مع سنوات من إنكشاف رأسها لتشعرني بغربة حجابي — فأنا لا أهتم.

وعندما يطل علي شاب من نافذة الباص وأنا في المحطة بخمول من لا يقرأ ليفكر — فأنا لا أهتم.

وعندما ينظر لي مراهق مع “حبيبته” كأنه ينتظر مني أن أنتقد طريقة حياته بسبب إنتمائي — فأنا لا أهتم.

لا أهتم…لأن “لكم دينكم ولي دين”؛

لأن لكل إنسان حق الإختيار، وهو مسؤول عن إختياره، ولا أحد يملك أخذ هذا الحق منه أو التحامل ضده بسببه — مادام قراره لا يتطاول على حريات الآخرين؛

لأن مع إختلاف شرائعنا،

فإن علينا أن نتفق على شريعة نتعايش بها — كالإحترام المتبادل، بحيث لا يقف كل منا حكما على الآخر.

ولتسهيل تفاصيل الساعات والأيام،

فأنا أفضلهم معتادين متأقلمين،

بل أفضلهم أقل إنفضاحا إن لم يكونوا حقا متسامحين.

فهذه البقاع تصبح ممطرة للنفس ليس بسبب المطر الآتي من عند الله تعالى إسمه،

ولا يظلم النفس خفوت الضوء؛

ما قد يعكر صفو الغريب في غربته ويفسد عليه يومه قبل أن يستقر على حال،

هو المطر القادم من البشر؛

المطر الصادر عن غربتهم هم برحيلهم عن وحدة إنسانيتهم.

أفلا يتساؤلون حقا…

أننا جميعنا بشر، ونحاول أن نكون؟

مقتطف من كتاب "الحياة الجديدة" لأورهان باموق:
فيما بعد أحسست وأنا أقرأ الكتاب وأكتب أن ما كتبته إشارة لحركة داخل
العالم؛ كأنني يجب ألا أكون في مكان ما، بل في كل مكان.
غرفتي مكان ما، وليست كل مكان!...
يجب أن أذهب إلى الأمكنة التي ستقودني إليها الكتابة.
يجب أن تكون جانان والحياة الجديدة أيضا هناك.
وهكذا بدأ يحفر في داخلي وعي الأمكنة التي سأذهب إليها
وأنا أكتب ما يشرحه الكتاب لي،
وشعرت بسعادة هي أنني أتحول إلى إنسان آخر.
فيما بعد، وأنا ألقي نظرة إلى الصفحات التي ملأتها،
مثل مسافر مسرور لما قطعه من الطريق،
رأيت بوضوح من يكون الإنسان الجديد الذي أفكر فيه.

* ملحوظة: حتى لا نوقع ظلما على أحد، هذه المقالة تتخد عينة من البشر كمادة لها، وليس الجميع.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to البقاع الممطرة

  1. Hasan AbuGhali كتب:

    رائع 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s