البدايات من كل شيء

تخطي البداية يحتاج إلى عزم الساعي للخلاص

كل الأشياء في الدنيا تنقسم  إلى مراحل عدة؛ أعمارنا، أفكارنا، أحياؤنا بمجملها. حتى مراحلنا تنقسم إلى مراحل أكثر دقة وأدق تفصيلا. فنحن نرتحل في هذا العالم لكي نكبر ونتطور، لكي نصل بخطواتنا إلى نقاط أبعد مما نحن عليه في الوقت الحاضر — لأي هدف كان، وبأي خطة كانت.

وبلا منازع، بداية الأمور هي الأكثر حساسية في أي مقارنة من المقارنات. لسبب بسيط، أن البداية تمثل الجديد في الحياة، الغير معتاد عليه، المراد تجاوزه وبشدة. لأنه بذلك فقط ترجع عجلة اليوميات للتدحرج بلا ضغط وعصبية المستحدث المختلف — على نفس الإيقاع الرتيب.

فمع كل إنتقال على سلم الزمن، مع كل إلتفافة في دورة الحياة الحاضنة لتغيير حاصل، يصبح الإنسان فجأة لا يرى جيدا، لا يسمع جيدا…ولا يعرف جيدا.

تصبح أفكاره مشوشة؛ فعقله أختل توازنه أيضا مع توقف عجلة الحياة، ليستقر مؤقتا “رأسا” على عقب.

وكأنه بذلك يسقط في اليم. ليبدأ في تنفس هواء لا يقترن برئتيه، ويتذوق طعام لا يليق بمعدته، ويشعر بمنطق لا يعني قلبه.

ولكي يخرج من هذا المأزق، يجبر هذا الإنسان نفسه على التنفس بخياشيم لم يعرف أنه يملكها،

ويقنع معدته على تقبل ما يأتيها من خيرات وإن إختلف الطعم، فالخالق في النهاية واحد،

ويضمد جرح قلبه من وحشة اللامنطق…وإن إستمر هذا القلب بالنزيف.

وغرقه هذا يستمر لفترة تصعب عليه ساعاتها. كأن هذه الساعات هي مخاض لروحه، وإختبار لشخصيته، وترويض لنفسه. كأنها تجربة أتت كمقياس لهشاشة صلابته، وقوة ضعفه.

وكأنه إحساس الكافر عندما تنتزع روحه من جسده (نسأل العفو والعافية من الكريم الحليم).

وما الغريب في ذلك؟ فبداية الأشياء هي غربة النفس عن نفسها.

ولا يستطيع الإنسان تخطي هذه المرحلة “بسهولة” ما قبلها. فأسلحته قديمة ولا تتناسب مع شيء لم يلج فيه مسبقا. فيصبر هذا الإنسان على وضعه الجديد، وعلى أسلحته الجديدة، لأن صبره هو الملاذ الوحيد في خضم المجهول القابع فيه — حتى في الأوقات التي يشعر بها بكل لحظة وهي تجر رفيقتها ليتضاعف الصعب صعوبة.

فهذه هي حياته في تلك اللحظة.

وعلى إثره، يتساءل الإنسان: كيف له أن يعيش صعوبة مشابهة دائما في بداية في كل شيء، وكأنها هذه هي البداية المطلقة له…في كل شيء؟

كأنه طفل، والحياة من اليوم الأول تجربة له؟

صعوبة مشابهة، نعم. ولكن ليست مطابقة.

فدروس الماضي تفيد الإنسان في تجارب المستقبل. وهي هناك لكي يعلم بأن ما أستطاع تخطيه مسبقا بعون من الله تعالى، سيتخطاه مجددا.

فعليه أن لا يفزع؛ فالفزع مفسدة.

ولكن بالمقابل، نرى أن للبداية سحر ما؛ أن الإثارة والحماس تكمن في الخطوات الأولى. فالإنبهار في الجديد، وإنبهار الجديد بنا، لا يحصل إلا عند لحظات التعارف.

إحساسان متناقضان، ولكن هذا هو الإنسان في أغلب الأحيان.

وهذه هي البدايات دوما — صعبة، مرهقة، غريبة تماما، ولكنها ضرورية.

ضرورية كضرورة الأساسيات في الحياة.

وكيف لا؟

ألنا أن نصل إلى النهاية إن لم نبدأ أولا؟

قصيدة "إلى أمي" لمحمود درويش:
أحن الى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأني اذا متّ
أخجل من دمع أمي.
****
خذيني إذا عدت يوما
وشاحا لهدبك
وغطي عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبك
وشدي وثاقي
بخصلة شعر
بخيط يلوّح في ذيل ثوبك
عساني أصير [...]
اذا ما لمست قرارة قلبك.
****
ضعيني، إذا مارجعت
وقودا بتنور نارك
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدت الوقوف
بدون صلاة نهارك
هرمت، فردّي نجوم الطفولة
حتى أشارك
صغار العصافير
درب الرجوع
لعش إنتظارك...
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s