حلمت بالكولوسيام

لا تدري ما تفتقده حتى تنظر عن قرب...لنفسك

لا تدري ما تفقده حتى تنظر بقرب

قصص الماضي أبدا لا تبقى في الماضي، ويا ليتها تفعل.

فهي لا تنفك أن تأتي من سنواتها المغبرة، غير معلنة تماما عن زياراتها المفاجئة.

أغلب هذه الزيارات تكون في أصعب وأحلك الأوقات، ولهذا حكمته أيضا.

في أحيان، نرفض الإنصياع لإلحاح ذكريات الماضي علينا بالإستغراق بالتفكير بها وإستعادة روحها، لأننا ندري قصدها — ألا وهو جرنا إلى ما عفا عليه الزمن مما كان في السابق حاضرا تشهد عليه العيون والقلوب والعقول.

وفي أحيان، تكون حاجتنا أشد ما تكون للشعور بشيء حمل معنى ما في برهة ما لبرهة بعيدة أخرى، وإن قصرت.

هي هذه الظروف التي نعرفها جميعنا لأننا نعيشها من وقت لآخر؛

عندما يكون العالم قد إنكمش بحجمه وإضمحل بوسعه بجميع زواياه وأبعاده ومكوناته، لينطبق إنطباقة تامة لا منفذ منها.

عندها نستلم للتيار الجارف بالعودة لذكريات “الزمن الجميل” (كما تظهر الآن على أي حال)، علنا وماضينا نكون أكثر رأفة علينا من حاضرنا المضطرب.

وهذا كله ما هو إلا نتاج لطبيعة البشر.

فبطبيعته، الإنسان كثير الأحلام، كثير التمني…والتوهم.

وبطبيعتي، أملك من الإنسانية وتجاربها ما أكتب به وله.

أما أنا، فالكولوسيوم كان أحد الأوهام التي راودتني في أيام عصفت بي أمور أكبر من مجرد حلم مارق.

ولكنه معلم لم أنساه حتى الآن؛ ليس لأهميته، ولكن لما تكشف لي من وراءه عن نفسي.

حقيقة، أنا لم أشعر به لذاته؛ فالكولوسيام لم يكن أبدا المكان المناسب لي. ولم ألتفت لإنتهاء حكايته، ولكنها قد فعلت بسرعة ما بدأت به…وكأنها لم تكن.

وهكذا حصل معي مرارا وتكرار: من ساحل غزة العزة، إلى شوارع كويت الخير، إلى مسجد سليمان العثماني، إلى مسرح الكولوسيوم الأثري، إلى فلسطين مرة أخرى، إلى الكويت مرات عدة، إلى ما لا أذكر ولا أتذكر، إلى ما لا أنسى ولا أتناسى.

كأنه الخيال الخصب الذي أركب الإنسان على البساط السحري، قد أنزله منه وركبه هو.

حقا، غرباء نحن في تناقضاتنا، وتعقيداتنا — لأننا بالأحرى بسطاء وواضحون.

لعل الإنسان حتى وإن طلب الوحدة بلسانه، لا يقصدها فعلا،

بل لا يتقبلها ولا يستسيغها.

فطبيعته لا تلبث أن تحرجه أمام نفسه؛ فهو يرجو الرفقة دوما، حتى وإن تنكر لها، حتى وإن قال أنه ينبذها.

فكل وقت مناسب للأوهام، وكل حلم ينبت من بذرة مغموسة في فطرته.

أما نحن،

فلعلنا نتقلب بأفكارنا بين هذا وذاك؛

لعلنا نترنح بأوهامنا في بقاع الأرض ونرنو بأنظارنا إلى معالم البلدان؛

ولعلنا على هذه الأحوال لأننا بالأصل فاقدو لبوصلتنا هذه.

ونحن لا نجدها إلا عندما نستقر في مكان ما؛ مكان كتب لنا سلفا من عند خالقنا تباركت أسماؤه…قبل مجيئنا.

فسنة الحياة تصيح بنا: أن مهما ذهبنا وفعلنا، 

 ليس هناك بديل لأي فينا…عن كولوسيوم نحلم به.

مقتطف من "في الطريق إلى الوطن" لفايز رشيد:
كان متضايقا بعض الشيء، فرغم بحثه المضني، لم يجد الكتاب.
رغم طباعة الكتب بأعداد خيالية، كان من الصعب شراء نسخ منها.
فما أسرع ما تنفذ، الكل يقرأون، حتى في الباصات المكتظة و"المترو"
تراهم يفتحون الكتب ويقرأون، فالكتب رخيصة الثمن.
كما أن كثيرين يأتون من الأرياف ومن المدن السوفياتية المختلفة
إلى موسكو لتصريف أعمالهم،
وخلال ذلك يذهبون إلى المكتبات بحثا عن كل جديد في عالم الكتب.
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s