المزيفون

مزيف وصغير: الإنسان في أسوء حالاته

مزيف وصغير: الإنسان في أسوء حالاته

جرت العادة أن يتبادل الناس العبارات الإجتماعية بين بعضهم البعض، ويتواصلوا بالإلتفاتات المعبرة عما في عقولهم من كلمات، في كل المناسبات وغير المناسبات. فلكل وقت وحين هناك تعبير ما كلامي كان أم غير كلامي يتناسب مع الحدث الجاري.

عادات تتناقلها الأجيال. أو بالأحرى، تنتشر كالعدوى بين أفراد الجيل الواحد، فتُحتضن جرثومة العدوى خير إحتضان في عروق الناقلين، لتصل من الأم إلى وليدها، ومن رب المنزل إلى أولاده، ومن الجار إلى جاره، والصاحب إلى صاحبه — كل بحسب مسافة إقترابه ومعاشرته. وتعم هذه العدوى في المجتمعات فتصبح وباء مفتعل لا حد له.

وباء لا يمكن أن يفسر إلا بأنه عادة مكتسبة، ذات قدرة على التطور الدائم…

كالجراثيم تماما.

وعلى أي حال، ليس من المنطق أن يقال أن دبلوماسية العلاقات الإجتماعية ضارة دائما — فحتى الجراثيم ليست ضارة تماما، وهي عموما ليست سوء يجب تجنبه.

ولكن ضررها يتجلى بإقترانها بزيف خفي في صدور البشر.

فالزيف والتخفي خصلتان سيئتان إنفرادا، فكيف إن إجتمعتا؟

بالتأكيد كلنا عاش تجربة الزيف هذه، من أبسط صورها إلى أقصى درجاتها.

فما خطب البشر الخبراء بالتملق والكلام المعسول عندما يكون هناك مأرب ما في نفوسهم – أولئك أبناء يعقوب العشرة؟

ما خطبهم عندما يكون هناك نفاق يحتووه لا تريد أن تراه حتى وإن كنت تشعر به؟

ما الخطب في من يراك ويرى غيرك كمن هم أدوات سخرت لهم لتحقيق غاياتهم والوصول إلى مطامعهم؟

ألم نصادف جميعا هذا الشخص الذي يحتضنك ويغمرك بكلمات الألفة والمحبة “المخلصة” عندما تنظر إليه بعيني البريء الساذج، ويوعدك بأنه يتطلع لمصادفة من هذا القبيل مرات عدة؟

ألم نتصادف مع من يظهر لك الإخاء في التحية الأولى، ثم الإستمتاع بحديثك الشيق جدا في الحوار اللاحق، ثم الوحدة والتوحد مع مشاعرك الطيبة عند الوداع؟

هي مهارة مفيدة جدا، تسهل الحياة على مالكها وتمهد له طريقه. وهي كذلك تسهل الأمور على المستقبلين لها من معارف هذا الماهر — بخداعهم أنهم محبوبون…لسبب ما!

نفاق وجد أم لم يوجد، هي مهارة لها حسناتها. فعلى الأقل هي تستبيح إنطوئات البشر على أنفسهم، فيسهل عليهم التمازج مع الغير، حتى لو كان هؤلاء الغير هم المراؤون. أي عند إدراك الأمر – عند إنفضاح الخديعة – والرغبة في تجاهلها بملئ الإرادة، تصبح علاقة المرائى والمرائي تكافلية ليكن لكل من الطرفين حظا من الربح المعنوي…والمادي أيضا (ولما لا؟).

والغريب، أننا فعلا ساذجون…حتى وإن كان هناك بعض من الصدق في تصرفات أولئك البشر.

الفكرة تتلخص بأننا نعيش في نفس العالم ونتجرع من معانات متكررة ومرارات متشابهة، كل بحسب مبتغاه. وبذلك ليس لنا فعليا أن نطالب غيرنا بأن يكفوا عن طرقهم الخاصة – الملتوية أحيانا – في البقاء على قيد الحياة.

البشر جميعم طيبون. أو على الأقل، في فطرتهم قد تجد بذرة الطيبة الداعية للخير. وهؤلاء ممن حافظوا على بذور الطيبة في تربة أرواحهم قد يتحرون الظهور بوجهين أحيانا ليس لشيء…سوى لأنهم قد شابوا وسيشيبوا على تلك الهيئة.

هم ليسوا بالضرورة قاصدي شرا من تصرفاتهم، حتى ولو أثاروا البغض والنفور وحتى العداوة من الطرف الآخر.

وهذا الزيف قد يتجسد بتصنع لا هدف من ورائه، إلا كوسيلة للتعويض عن نقص وخلل ما في نفس الزائف. معالمه تتباين بين حسد وغيرة، ومن ثم التظاهر بما ليس في الشخص. وأنت لا تستطيع إلا التأمل بذاك، لتتسآل: كيف له أن لا يرى نفسه حقا؟

فأولاد النبي يعقوب لم يرموا يوسف في البئر لأنهم شياطين بلا رحمة؛ لكنهم كانوا قد تجرعوا مما أعطتهم إنسانيتهم من دونية الشعور بالحسد والغيرة.

وحتى مع هؤلاء، فبالرغم من أن شفافية التعامل معهم قد تصل إلى درجة العدم، فهم لا يستحقون أن يوصموا بعار نقصهم، أو أن ينفوا إلى أرض المنبوذين. ألم تؤل قصة يوسف لما فيه خير في آخر المطاف؟

وفي النهاية لنا أن ننظر إلى أنفسنا ونلحظ تصرفتنا، حتى ندرك بأن في أطباعنا ما يحتمل المقارنة…بأولئك المزيفين.


مقتطف من رواية “مئة وثمانون غروبا” للكاتب حسن داوود:
في أحيان أفكر أننا ربما كنا جعلنا عيشنا أحسن لو لم يكن
الناس هم هكذا في الزهرانية: أقصد أولئك الذين يعيشون “فوق الطريق”،
حيث محلنا وبيتنا. كان أخي يقول عن جيراننا الساكنين لصق بيتنا
إننا إن لونا حيطاننا سنكون كأننا ندل بالأصابع على جيراننا الذين
ستبقى حيطانهم دون لون. “كأننا نقول للناس: انظروا ها هم الوسخون”،
صار يردد آنذاك فيما هو يرفع كفيه ويلصقهما ممدودتين ليريني كيف تكون
إحداهما ملونة والأخرى وسخة. أما تلك المسافة بين بابهم وبابنا فلن يكون
نصفها نظيفا ونصفها وسخا. كما أننا لا نستطيع أن نقسمها بحائط
نقيمه في وسطها.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to المزيفون

  1. ammar كتب:

    mmmmmm wallah maqallah gamela w kalemaat motnasqa t2ool kateb 2w sha3er katebha mashallah :))
    bs wallah mo 3aref ma la22ait maghza wala 2deret afhmha sa7
    bs heye 3an 6abe3t el 7ayah 2w mwaqef al 7ayah sa7 :))

    gameelee :))

    • هي هي، شكرا عمار. ولا يهمك، صرنا 2 P:
      هيا عن أطباع الناس امبلى، بس ما في شي بتاخد زي ما هوا، عمار. مجرد أفكار هاي، وممكن تكون مش صح.
      تشكرات، خي 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s