لم شمل

البعيد عن العين...بعيد عن القلب

البعيد عن العين...بعيد عن القلب

لكي يستطيع الإنسان العيش، هو دائما يبحث عن فرصة أحسن في حياته؛ مكان أفضل تتحقق فيه ظروف تتناسب مع متطلباته ورغباته وراحته النفسية. لذلك قد يصل به الحال إلى أن “يهج” من وطنه مهما كانت حالة إقامته فيه (مواطن أو مجرد مقيم إقامة يجب تجديدها من وقت إلى آخر حتى لا تسقط عنه، حتى وإن لم يعرف أرضا غير تلك الأرض، ولا هواء غير ذاك الهواء، ولا بشر غير أولئك البشر) ليرتحل إلى ما قد يكون فرصة عمره.

وقد يحقق شيئا في المهجر؛ قد يدرس ويحصل على شهادة مرموقة، ومن ثم قد يتقدم ويحصل على عمل، ومن ثم قد يتزوج ويبدأ عائلة جديدة، ومن ثم قد يحصل على جنسية وجواز جديدين، ويستمر بالحياة…في المهجر. 

ومن ثم قد يكبر الأولاد، ليذهبوا إلى الجامعات، ويحصلوا على شهادات مرموقة، ويعيشوا هم أيضا هناك، ولكن هذه المرة في وطنهم هم.

بديهيا، لا يحمل المرء على تحمل هذه الحياة الجديدة من البداية سوى أنه قد وجد فيها مستقره في هذه الدنيا، خصوصا إذا كان ذلك المرء إنسانا محروما من بلد لا إحتلال يعيبه ويتجرع مرارته حتى وإن لم يعش فيه؛ ولم يجد من يستقبله إستقبالا إنسانيا ليكن له حقوقا متساوية مع غيره من أبناء البلاد التي أعطاها كما أعطوها أبناؤها الحاملون جوازات سفرها. فنحن قوم – من طبيعتنا المنفعلة – ينهش بعضنا بعضا. فيفضل ذلك المقهور بعد التجرع من مرارت تجاربه وتجارب أسلافه الذهاب إلى أفضل الموجود أمامه، آملا لنفسه حاضرا أكثر سهولة، ولأولاده مستقبلا أكثر…مرحا!

أي هو بالنهاية يختار المهجر، بعيدا عن أهله وبعيدا عن الأرض التي حبته بأن يكون من ساكنيها — وإن كانت عطية بها من السيئات ما قد تسبب الإحباط واليأس واللجوء إلى سياسة الهج.

ولنا نحن الفلسطنييون خاصة، دائما ما “نختار” الشتات…مرة تلو الأخرى، حتى وإن ملكنا إثبات “لم شمل” من محتلينا بأننا مواطنوا بلادنا.

نعلم أن الظروف في بلادنا صعبة، ونعلم أن لكل أعذاره وأسبابه لإختيار الإفتراق عن الأهل والأصدقاء – حلم كان أو حقيقة -، والتي بالأغلب تتلخص في كلمات قليلة: حياة مرفهة، طبيعة أجمل، لغة العجم، أناس أفرنجة بتعامل ألطف، إلخ.

ولكننا أيضا نعلم أن لا شيء يكمل، أن حتى وإن كانت هناك حسنات في البلاد الجديدة، فهناك أيضا منغصات عديدة…كالبلاد القديمة تماما.

وبذلك يتساءل المرء: أتستحق حقا الماديات والمظاهر التي رحل لأجلها المسافر البعد عن الأهل والأصدقاء؟ أتستحق حقا الإغتراب عن من عاشروك وعاشرتهم طيلة عمرك، عن عائلتك التي لا تراها تكبر وتتزايد يوما بعد يوم فقط لأنك فضلت حياة أخرى تعيش فيها على بعد أمتار ممتدة لا تقاس بالمسطرة…يوما بعد يوم؟ أتستحق حقا التعايش مع شعور الغربة والحنين الدائم إلى دفء العائلة وألفة الوطن الذي لا يفارق أي مغترب مهما طالت مدة إغترابه؟

أتستحق حقا أن تمسخ هوية أطفالك؟ فهو الآن دورهم؛ هم في وطنهم الذي عاشوا فيه ولم يعلموا سواه. وكم لسان إعوّج بتضيع لغتنا العربية بسبب إهمال الآباء والأمهات على المحافظة على تلك النعمة، إلا من رحم ربي.

أتستحق حقا أي كانت أسبابنا أن نعمل على ترسيخ عقدة النقص العربية – عقدة الخواجة – باللحاق بركب الغرب المادي وعدم الإلتفات إلى إحتراق أبناء جلدتنا…في مسالخهم؟

أليس من الواجب أن من يملك علما أن يرجع به إلى بلاده، ومن يستطيع أن يفيد أمته أن يرجع لها بتلك الفائدة؟ وإلا، فما هو السبيل إلى تطور مجتمعاتنا إن لم نحرص على العودة إليها؟

لا نلم أحدا، فكلنا يسير في حياته ما يراه متمازجا مع خططه الهادفة لشخصه ولعائلته المباشرة، وكلنا لنا حق الإختيار في ذلك. ولكن لا شيء حقا يبرر ملاحقة الدنيا في بلادهم، ونحن لن نموت جوعا أو نتلوى فقرا في بلادنا.

أجل، البعد عن الأهل والوطن هي من سنن الحياة، ولكنها ليست فرضا.

فما دام أمامنا خيار للعودة، فلنجعله دائما…لم الشمل.

مقتطف من كتاب "جدد حياتك" لمحمد الغزالي:
وقد كنت أعجب كيف أن فلانا امتلكه الحزن إثر كارثة عصبية،
فإذا بعض أضراسه قد سقط من فمه، ثم أدركت بعد كشوف الطب الحديث
أن الأزمات النفسية العاتية شديدة الوطأة على الجسم، وإنها تحول العصارات
الهاضمة إلى سموم، فلا تستفيد المعدة من أغنى الأطعمة بالغذاء، وأنها تفتت
جير الأسنان، وتزلزلها من مستقرها.
وقد قرأنا كيف أن بكاء يعقوب على إبنه أفقده بصره، وكيف أن
الغم بلغ مداه بالسيدة عائشة - عندما تطاول عليها الأفّاكون -
فظلت تبكي حتى قالت: "ظننت أن الحزن فالق كبدي."
ليس من مات فاستراح بميت......إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش كئيبا......كاسفا باله قليل الرجاء
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to لم شمل

  1. Mariam كتب:

    جميلة!

    ولكن أنا لا أتفق مع بعض الأشياء. نعم يجب علينا جميعا العودة الى أوطاننا مع المعرفة التي اكتسبناها من الغرب لكي تزدهر مجتمعاتنا العربية أيضا. ولكن عاد الكثير من قبل، على الأقل في حالة مصر، لكنهم غادروا بسبب عدم وجود تشجيع من الحكومة أو فرص متاحة في البلد. على العكس من ذلك ، بلداننا تدفع علمائنا ورجال أعمالنا الناجحين بعيدا! وأفضل الأمثلة على ذلك أحمد زويل. حاول ان يعود الى مصر لكنه لم يتحمل كل الحماقة التي ألقوا بها في وجهه، ولذلك غادر.

    • مريم، شكرا على التعليق.
      الوحيدون المعذورون حقا في الرحيل عن أوطاننا هم العلماء، المهتمون بالبحث العلمي منهم، والقاصدون دوما أن يحدثوا فيه بلا إنقطاع – كما هو مثالي – خاصة عندما لا تتحقق هذه الرغبة لهم في بلادهم. وأنا أؤديهم بذلك، على الأقل حتى يرتؤوا وقت الرجوع. لكن ليس كل مهاجر عالم.

      حماقاتنا كثيرة في أوطاننا، وأهمها إهمالنا للبحث العلمي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s