لا عذر للإنسلاخ، لا داعي للتباهي

 

بالعربي يا عرب

اللغة أساس العلم، والعلم أساس الحضارة

أغلبنا يعلم بأغلب تاريخنا، المحزن منه أكثر من الداعي للفخر؛

فنحن لم نخرج من فصل الأحزان بعد. وهي كمرحلة نتعايش معها، تعيش معنا كزمرة واحدة.

تأتينا لتظهر لنا عيوبنا، بل تخلقها فينا كنتيجة لسبب أو عدة أسباب لا تنتهي.

تاريخنا طويل ليدل على عراقتنا، ولكن نواقصنا أغزر. أعظمها على سبيل الحصر لا العد، هي عقدة الخواجة.

فمع ثبوت حجم فشلنا الذاتي وتأثير الغرب علينا، ما نجد أنفسنا إلا راكضين لاهثين في سباق لا نهاية له وراء ثقافة الغير. نتقمصها، سواء بحذافيرها أو مقتطفات منها، بحسب درجة النقص التي تنبت في أنفسنا، ظروفنا، ووعينا.

فنجد من أبناء شعوبنا من ينسلخ عن هويته العربية، ويستغرب عن جهة الشرق، ليسقط في دوامة اللاواضح. هولاء لا يهم إن قلوا أو كثروا؛ فتأثيرهم على المجمل يأتي بقوة تأثير الثقافة التي يتنطعون بها.

المشكلة في من رحمهم الله ولم يرحموا مجتمعاتهم، بأنهم يتباهون وبكل ثقة “بميزة” التحدث بلغة غربية، يأخذونها كمشروع بديل لأصلهم.

من بعيد، نرى بأن هذا صار مألوفا ومقبولا ومستساغا…بل صار هدفا لكل أسرة بأن تمحي عن أبنائها لسان عروبتها.

وإن لم تفعل تلك الأسرة، نجد أن الفرد يأخذ دور المنقذ لنفسه حتى بعد فوات الأوان ليتباهى هو بما تعلمه من مشاهدة الأفلام الأمريكية والتحدث إلى عمال المطاعم الأسيويين.

ومن قريب، نرى مدى الخزي والإنحطاط الذي وصلنا إليه كسبب ونتيجة لإهمالنا لهويتنا.

الغريب والعجيب، أن ليس من الأمم من مثلنا.

أصحاب حضارة ودين المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، يتهاوون واحد تلو الآخر بكل ما هو غربي. كلهم لديهم لغتهم الخاصة التي لا يخجلون منها، بل يدافعون بتعصب عنها وعن قوميتهم، ويرفضون بذلك التحدث والتعامل بغير لغتهم في أوطانهم — خاصة في التعليم.

أما نحن، عمّرنا الأرض لقرون بديننا، كتبنا آدابنا وعلومنا بلغتنا. كنا كما هم الآن.

لم نستح، لم نتخاذل،

أعزاء، أقوياء.

العالم أجمعه كان بحاجة لنا ولعلمنا العربي. تدافعوا ليتعلموا هذه اللغة، ليتفاهموا معنا، وليساعدوا أنفسهم ويخرجوها من عصور الظلام والتخلف.

فنرتحل من تلك المعالي إلى أضحوكة اليوم: إلى إنتشار المدارس والجامعات الأجنبية في بلادنا، وإستقدام الغير متحدثي العربية الذين يتطاولون علينا بعدم “رغبتهم” لتعلم لغتنا ليعيشوا بيننا ويتعايشوا معنا: فنحن العرب نفضل الإنغيليزية على أية حال، أليس كذلك؟

وللآن، نجد في بلاد الغرب من ينظر إلينا بغبطة، ويتمنى لو أنه يستطيع أن يتحدث العربية مثلنا، خاصة من المسلمين الذين يشتاقون للغة القرآن. ولوهلة، تعيش ما هو مفقود في بلادك هذه، تشعر بتميزك، وبأهمية لغتك لغيرك. ثم تعود إلى واقعك الأليم عندما “تشبك” على مواقع التسلية الإجتماعية كما هي عادتك اليومية.

لا داعي للتباهي بلغة لا تمت لنا بصلة. لا داعي لهذه اللغة في حواراتنا، وكتابتنا، حتى في أوقات فراغنا.

فكل لفظ منطوق بلسانك، وكل حرف مكتوب بيدك ما هو إلا ممثلك وممثل أمتك. ظاهرا لهويتك ومميزا لها عن باقي شعوب الأرض. ولا عذر لنا، وحتى وإن كنا لا نعيش بكرامة نحن مقلصيها بتنكرنا لإنتمائنا.

لغتنا هي إنتماؤنا إن أردناه. ولن نستطيع تبديله بالتباهي بلغة آخرى نتحدث بها.

أما عندما تتخلى عنها، عندها فقط، يظهر فينا نقصنا الشخصي، وإنسلاخ أمة بأكملها.

لنتساءل: ألا نريد التميز حقا؟ ألا نريد أن نعيد بناء أنفسنا؟ ما خطبنا نحن المستهترين بوجوديتنا؟

ألا نرى حقا أهمية هذه اللغة، ثروتها وروعتها؟ ألا نرى أهمية أن تكون لنا هوية نفخر بها؟

أسيبقى الماضي الإستعماري يطاردنا، والحاضر المتسلسل منه خنّاقنا بقبضة من حديد، والمستقبل المشرق بعيد بعيد؟

بعد ركوع طويل، أما آن لنا أن نقف؟

أما التالي، فهو الصواب: لا عذر للإنسلاخ عن لغتنا، لا داعي للتباهي بغيرها.

——-

ملحوظة: كنت جالسة في محاضرة، أتأمل مدى سهولة لغتهم عليهم، وكم هو بديهي ومناسب تلقي العلم بلغتك الأم. لأجد نفسي أتمنى…لو أُحاضر باللغة العربية.

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن اللغة, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s