وأخيرا جاءت الثورة

الثورة...هي تذكرتنا لفلسطين

الثورة...هي تذكرتنا لفلسطين

قبل ما يعادل شهر من الزمان، كنا نتناقش عن الإنحطاط والذلة والقبوع في القبور الذي تعيش فيه أمتنا العربية والإسلامية منذ سنوات طوال. سنوات قد تعد كقرون إن ذكرنا الأندلس، وقد تقصر إلى عقود إن ندبنا فلسطين.

كنت أتباكى على عدم جدوة الشعوب العربية في إنجاز أي أمر سوى ملاحقة كل ما هو غير عربي، خير كان أم شر؛ على إنصباب الشعوب برمز قائد مهما كان إنتمائه، إسلامي كأردوغان، أو إشتراكي كزعيم من بلاد تشي غيفارا؛ على عجزهم عن التمسك بهويتهم العربية، بل طمسها وبشغف.

عوامل أدت إلى الوصول لحالة العقم وعدم قدرتنا على إنجاب قائد يأتي من صلب هذه الأمة الولودة.

كنت أقول: نحن دوما ما نتبع، ولا نساهم فيما هو خير للأمة الإسلامية.

قلت ذلك أثناء الثورة التونسية المشرفة، بل بعدما قرر الرئيس التونسي مغادرة البلاد التي حكمها ظلما لشعبه…حتى استفاقوا هم، ليفر هو.

كانت رمية أولى.

كان تغيير في واقعنا لم تستوعبه الأذهان حقا، لم تصدق أن في ظرف شهر سقط نظام عانت منه أجيال متتابعة. خطوة كان الشك كله في ثبوتها وتأثيرها المتلاحق.

فنحن شعوب نشك بالخير إن جاءنا من أنفسنا، كما نشك في أنفسنا وقدرتها على بذل الخير.

حتى جاءت ثورة مصر العظيمة في 25 من يناير 2011، تأكيدا على ثورة تونس الرائدة.

حينها إتضحت الرؤية، وتأكد المسار والرغبة الجمعية.

نزل مئات الآلاف من الشباب العربي إلى ميادين التحرير في أرجاء متعددة في مصر، وفي غير مصر.

نزلوا بصيحة واحدة، وراية موحدة.

ثورة أعادت للأمة روحها. أتت متأخرة جدا، ولكن تأخرها لا يعيبها الآن…

فأخيرا جاءت الثورة.

أخيرا إنتفض الإنسان العربي على واقعه، ثار على ظروفه…علم أنه هو من يصنعها.

ثار على الظلم المسيطر عليه من كل الجهات.

ثار ضد وحشية من يفوقه بسلاح قمع ما، وحشية ظهرت مع سيلان دماء الشهداء.

ثار ضد من يعامله كالبهائم ويشغله بمأكله ومشربه وعيشه التافه…سالبا منه إنسانيته.

ثار ضد من يلقنه منذ طفولته السكوت على أفعال السلاطين، فأخذ وبالقوة دور المعلم: “الشعب يريد إسقاط النظام”.

ثار ببركة آتية من السماء، بدعاء المؤمنين الدائم بخشوع أيام رمضان: “اللهم فرج كرب هذه الأمة”.

وها هو أتى الفرج…وكنا نظن أنه لا يأتي.

وها هي تحققت الأحلام؛ تحققت على أعتاب بلداننا، لتختلط الحرية بسحب سماءنا.

تحررنا من خوفنا، تحررنا من السلاسل المقيدة لألسنتنا ولأيدينا…ولدمائنا.

علمنا أن حياتنا لا قيمة لها من دون حريتنا. علما أننا نستحق هذه الحياة وتلك الحرية.

عرفنا أن الموت لا يهاب حقا، أن إنتظار ملاك الموت لروح الشهيد في سبيل الحق ليس كإنتظاره للظالمين المستبدين.

أننا بمظلوميتنا الأقوى، لأننا أصحاب حق.

أن لنا النعيم في معركتنا من أجل إنسانيتنا، في الدنيا والآخرة.

أن لنا الشرف والعزة.

أننا نسعى لتحقيق ما ظننا أنه مستحيل في زمننا البائس هذا.

أن العبودية ليست من ديننا، وأننا أحب إلى الله جل في علاه إن كنا من الأقوياء.

شعوبنا لم تنسى حقوقها، لم تغفل عن كرامتها المسلوبة من أبناء جلدتها،

كانت فقط تبحث عن لحظة إنفراج واحدة…لتشحذها للأبد.

حتى وإن حاول المتلاعبون أو الغافلون وأد هذه الثورة ببلبلات لا قيمة لها، فاللحظة الغير مسبوقة قد أتت بلا طريق رجعة.

وهل لمن ذاق طعم الحرية والكرامة ولو لدقيقة منفردة، أن يرضى الرجوع لحالة العبودية المقيتة؟

وكما في الشعار: بالأمس تونس، اليوم مصر…وحتما غدا القدس.

—–

تحديث: في يوم 11 من فبراير 2011، تم المنشود للشعب المصري بسقوط النظام.

جمعة مباركة.

مقتطف من رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني:
وكان ما يزال ينظر الى (دوف) حين قام هذا الآخر فجأة
ووقف أمام سعيد منتصبا كأنه يتصدر طابورا من الجنود المختبئين،
وبذل جهده كي يكون هادئا:
-" كان يمكن لذلك كله ألا يحدث لو تصرفتم
كما يتعين على الرجل المتحضر الواعي أن يتصرف".
-" كيف؟"
-" كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا.
وإذا لم يكن ذلك ممكنا فقد كان عليكم بأي ثمن
ألا تتركوا طفلا رضيعا في السرير.
وإذا كان هذا أيضا مستحيلا فقد كان عليكم ألا تكفوا
عن محاولة العودة...
أتقولون أن ذلك أيضا مستحيلا؟
لقد مضت عشرون سنة يا سيدي! عشرون سنة!
ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟
لو كنت مكانك لحملت السلاح من أجل هذا.
أيوجد سبب أكثر قوة؟ عاجزون! عاجزون!
مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل!
لا تقل لي أنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون!
الدموع لا تسترد المفقودين ولا الضائعين ولا تجترح المعجزات!
كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا
يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود...
ولقد أمضيت عشرين سنة تبكي...أهذا ما تقوله لي الآن؟
أهذا هو سلاحك التافه المفلول؟".
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s