في شارع الأشياء المفقودة

تقاطع طرق...وخيارات عدة

تقاطع طرق...وخيارات عدة

في يوم من أيام الأسبوع، وأنا أسير في روتيني اليومي وأفكر،

مررت بشارع فرعي خطيته مرارا وتكرارا حتى أصبح مألوفا لدي.

هو مساحة صغيرة لمرور العابرين بين المباني المحيطة في الجامعة.

فيه سمة تميزه، فهو أحد الطرق المؤدية إلى مسجد ومكتبة الجامعة.

وكما لاحظت لاحقا، هو أيضا مستقر لأشياء سقطت سهوا من أناس مروا من هناك.

أطلقت عليه إسم “شارع الأشياء المفقودة”.

لم ألتزم بالمسمى حقا، ولكني أتمنى الإخلاص للمعنى،

وهو ما يمكن تلخيصه بجملة من الأفكار المبعثرة:

هناك الكثير مما تحمله يداك ويكون عرضة للفقدان بسهولة،

منها ما لا تشعر بأهمية ضياعه – فماذا يعني حقا إن تركت قلمك الرصاص على طاولة المقهى؟

وهناك من الأشياء ما تشعر أن مصيبة حلت عليك إن نسيته في مكان ما وقد عدت له ولم تجده، كهاتفك النقال أو مفاتيحك.

ومعك حق في مصيبتك، ففقدان صلتك بالآخرين عن طريق أدوات يومك قد تعكر لك صفو أوقاتك القادمة.

وهناك ما تفقده، ولكنك لا تشعر بضياعه حقا – فقط ذلك الأثر من الحادثة المباغتة هو ما يعلق في أيامك وأجوائك…بلا وعي أو قرار منك.

كالهدف، مثلا.

فقد يحدث أن تملك هدفا في حياتك، كان هو مسيرها الأساسي، وباعثها فيك،

كان هو محور تفكيرك ومعركتك النبيلة،

ولكنك تجده مع الوقت يتلاشي منك؛

يوما بعد يوم، يتداعى منه جزء…حتى تفقد السيطرة عليه كاملا.

فمع الصعوبات التي تأتي بطريقك لتحقيقه،

مع الإرهاق، مع الألم…ومع الملل،

تجد ما حلمت به، ما تعبت من أجله، يزداد بعدا عنك مع الوقت، حتى تصبح لا تراه ولا تتغنى به.

بل تجد نفسك لا تريد التحدث عنه، تتمنى لو تتبرى منه، لو تلعنه لعنة تخرجه من رحمة الله.

قد تصل إلى مرحلة “الإستواء”، مرحلة الجهوزية والإستعداد بأن تتركه من خلفك وتمشي أميالا في مسار مغاير.

فأنت تريد الإستسلام…تريد السلام.

هناك فقط تضل طريقك، تتخبط يمينا ويسارا، لتظهر الرضوض بقعا على روحك،

تفقد رؤيتك، تفقد نفسك،

وتتوحد مع شارع الأشياء المفقودة، ليصير أنت.

هو موقف صعب في حياة قاسية،

أفكار وليدة الصراع الأزلي – صراع البقاء،

إستنتاجات تجربة تعاش بتكرار داعي للتأمل.

وهو تأمل بحد ذاته.

ولكنها جميعا ما هي إلا مشاعر مؤقتة وأمور مارقة.

فلا العذاب المستمر في مطحنة الحياة و”لطفها” الزائد، ولا الرغبة الملحة في الإتجاه نحو المخرج بدون النظر إلى الوراء

له الحق أن يعريك من بصيرتك، أن يزيل عنك إصرارك، أن يشوه لك روحك.

ولا أنت تملك أن تستسلم.

فما الإستسلام إلا خيار سهل للهروب من شيء صعب، وهذا هو ملخص الضعف.

وما الضعف إلا خيار.

فإن لم تعد متأكدا مما تفعله في هذه اللحظات، أو لماذا تفعله بالأصل،

فواصل في فعله على أي حال.

وإن فقدت بوصلتك، إبحث عنها بإخلاص، فقد تجدها مدفونة في أعماق نفسك.

وإن لم تجدها هناك، فامسك هاتفك النقال (لتحس بقيمته)، وإتصل بأحد مهم في حياتك؛

فقد تكون ضالتك موجودة في أصوات محبيك، داعميك، الواقفين من خلفك والشادين على يدك.

إفعل ما شئت: إبكي كالأطفال، أصرخ كالمجانين، أصمت كالأموات، أهجر الغرباء، بل قاتلهم إن رغبت،

إفعل كل ما شئت،

ولكن لا ترحل عن مسارك، لا ترحل عن قرارك الذي إتخذته وأنت في أحسن حالاتك.

لا تصغر قيمتك بالضعف ولا تحكم على نفسك بالهامشية…بأن ترحل.

إمشي في كل مكان، في كل الطرق،

وإن وصلت إلى شارع الأشياء المفقودة يوما…

فليكون لك منه عبرة.

وفي النهاية، ما لنا إلا أن ندعو الله أن يحسن خاتمة أمورنا جميعها.

مقتطف من رواية "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي:
"وقلتِ: 'الحب هو ما حدث بيننا...والأدب هو كل ما لم يحدث.'
نعم ولكن، بين ما حدث وما لم يحدث،
حدثت أشياء أخرى، لا علاقة لها بالحب ولا بالأدب.
فنحن في النتيجة، لا نصنع في الحالتين سوى الكلمات.
ووحده الوطن يصنع الأحداث. ويكتبنا كيفما شاء...مادمنا حبره.
غادرت الوطن في زمن لحظر التنفس...
وها أنا أعود إليه مذهولاً في زمن آخر لحظر التجول.
أتذكر وأنا أواجه وحدي هذه المرة مطار تلك المدينة الملتحفة بالحداد
كلاماً قاله حسان منذ ست سنوات واستوقفتني كلماته دون سبب واضح.
قال: 'إن قسنطينة فرغت من أهلها الأصليين.
لقد أصبحوا لا يأتونها سوى في الأعراس و في المآتم.'
يذهلني إكتشافي...
ها أنا أصبحت إذن الإبن الشرعي لهذه المدينة التي جاءت بي مكرهاً مرتين.
مرة لأحضر عرسك...ومرة لأدفن أخي. فما الفرق بين الإثنين؟
لقد مات أخي في الواقع مثلما متّ أنا منذ ذلك العرس.
قتلتنا أحلامنا...
هو لأنه أصيب بعدوى الأحلام الفارغة الكبيرة.
وأنا لأنني غادرت وهمي...ولبست نهائياً حداد أحلامي.
يسألني جمركيّ عصبي في عمر الاستقلال لم يستوقفه حزني ولا استوقفته ذراعي...
فراح يصرخ في وجهي، بلهجة من أقنعوه أننا نغترب فقط لنغنى،
وأننا نهرّب دائماً شيئاً ما في حقائب غربتنا...
- 'بماذا تصرّح أنت؟'
كان جسدي ينتصب ذاكرة أمامه...ولكن لم يقرأني.
يحدث للوطن أن يصبح أميّاً.
كان آخرون لحظتها يدخلون من الأبواب الشرفيّة بحقائب أنيقة دبلوماسية.
وكانت يداه تنبشان في حقيبة زياد المتواضعة،
وتقعان على حزمة من الأوراق.. فتكاد دمعة مكابرة بعيني تجيبه لحظتها:
- 'أصرّح بالذاكرة...يا إبني...'
ولكنني أصمت...وأجمع مسودّات هذا الكتاب المبعثرة في حقيبة، رؤوس أقلام...
ورؤوس أحلام."
 
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to في شارع الأشياء المفقودة

  1. Nazek Hawileh كتب:

    راااائعة !! لمست شي صاير كتير دارج بواقعنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s