معضلة

أهملنا لغتنا فأهملها زماننا

أهملنا لغتنا فأهملها زماننا

اللغة العربية هي لغة القرآن، لغة أمة تمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.

ففضلها يأتي من الكرامة المعطاة لها من الإسلام أولاً وأخيراً.

وبين هذين الحدين يأتي تاريخ العروبة كقومية معاصرة أو جاهلية غابرة.

أهمية هذه اللغة لنا كعرب تكمن بأنها هوية وكيان. فهي أساسنا بين الشعوب الأخرى، وعلامة تميزنا أينما إرتحلنا وقررنا أن نكون.

فمثلاً، في بلاد الغرب، أنا لست مسلمة وإنتهى؛ بل أنا مسلمة عربية. وهو فرق يأتي من لسانك المتوقع منك التحدث به.

أما في بلداننا، فحكايتنا مع هذا اللسان هي حكاية تناقض غريب.

هم كعرب ينفرون من لغتهم العربية، بحيث يصل تأثير هذا الإنكار إلى نواحي عدة من حياتهم.

فكما نجد شباب وفتيات ألسنتهم تنطق عن هواهم…الأعجمي،

نجد أهالي يرتضون على أنفسهم قبل أبنائهم ذلك الإستهتار.

فانتشار المدارس الأجنبية على أراضينا نابع من إنفصامنا الشخصي في تنكرنا لأصلنا، وهو ليس بالشيء الحميد.

ومع ذاك، هناك نقطة يجب الإلتفات لها.

فالعلم في هذا الزمن يحدث أن يكون باللغة الإنغيليزية، نسبةً للقوى العظمى الحالية، وهو موقع وصلوا إليه لتفانيهم في البحث العلمي والتطور التقني بصورة رئيسية. و هذا ما عليه نحن كنا قبل 1000 عام…حين كنا.

فإذا كان هذا هو الواقع، فيظهر لنا أنه ليس من حقنا إنتقاد هؤلاء الراكضين خلف التعليم الغربي داخل حدود أوطاننا.

ظاهر الأمور يخدع المكتفي بها.

فالصحيح أن أغلب المبذرين باستثمارهم السنوي في تلك المدارس والجامعات لا يدخلون أولادهم بسبب جودة نظام التعليم المذكور، أو بسبب إهتمامهم اللامحدود في تربية أجيال ترفع من شأن هذه الأمة — وهم النوادر: فلا أحد مهتم حقا، وإن إهتم، فلا أحد يبحث عن تعب يضيفه على أحماله.

بل أغلبهم لهم هدف أناني يبحثون عنه.

هو في أسوأ الأحوال خلع الثقافة العربية وتقمص ما هو “دارج” في عصرنا، كصورة لنبذ التخلف كما يرتأون.

وفي أحسنها، أن هذه هي متطلبات زمننا، وهي كرحلة نبحث فيها عن ما هو أفضل لمستقبل أبنائنا من سوق عمل، إلخ…كما يرتأون أيضاً.

أما الأول، فالرد في المقدمة…وفي إعمال عقولهم النائمة.

وأما الثاني ومعهم فئة النوادر، فهي معضلة حقاً تستحق وقفة.

أجل، أهملنا لغتنا فأهملها زماننا.

أجل، أصبحنا بحاجة لتعلم لغة أخرى، والتنافس على مدى إتقاننا لها.

أجل، توقفنا نحن أهلها عن تداولها فتوقف عنها الغرباء أيضاً.

وكنتيجة، وضعنا بين الأمم أصبح بالحضيض.

أي أن كل ما فعلناه وما نفعله مهما كبر أو صغر هذا العمل فهو يصب في وضعنا العام.

وبهذا، فلمصلحة ومستقبل هذه الأمة، عند إتخاذ قرار أي مدرسة ندخل أبنائنا، فلنفكر لماذا هذا السبب بالذات، وليكن لما هو أبعد وما هو أشمل.

ولنضع نصب أعيننا عدم إهمال اللغة العربية، بل تنميتها في نفوسنا ونفوس أبنائنا حتى يصل هذا الرنين إلى المجتمع كافة.

أي أن لا نحترف إنتقاص ذاتنا وثقافاتنا بتقمص غيرها بصورة يومية — نعرف جميعاً مدى قلة إحترامنا لأنفسنا الظاهر للعيان بتخلينا عن لغتنا، فلنحفظ ماء الوجه بالمحاولة الدؤوبة لتطوير أنفسنا.

فهي معركتنا جميعاً، وتركنا لها لا يجعلنا إلا متخاذلين.

وبالنهاية، لم تكن اللغة عائقا أمام العالم الكيميائي أحمد زويل للإبداع في علمه والفوز بجائزة نوبل، وهو الذي صرح عن ضعف لغته الإنغيليزية في أول مشواره،

ولم يكن له حاجة بأن يتقنها كأصحابها الأصليين.

ولم يصل الغرب والشرق على حدٍ سواء لما وصلوا إليه إلا بلغة كل أمة فيهم.

ونبقى نحن من في الوسط، مذبذبين معلقين.

فليكن لنا عبرة من التاريخ وأمثلة الحياة…حتى نتخطى بها حاضرنا.

 

مقتطف من رواية "السفينة" لجبرا إبراهيم جبرا: 
"ولكن المثاليات من أثير، والواقع أعتى مما تظن.
تجابهك بوجهها الكالح يوماً بعد يوم،
وأنت متشبث بمثالياتك تشبث الغريق بالقشة.
إلى أن يأتي يوم تجد فيه أن الحياة هو أن تتخلى عن مثالياتك،
فتسخر من جهلك،
وتخجل من أنك رضيت أن يغرر بك. 
وتقرر الإنسجام مع واقعك. 
ولكن يبدو أن  المنسجمين مع واقعهم يولدون ولا يصنعون.
إني أسخر من جهلي كل يوم،
وأرتكب الحماقات نفسها كل يوم...ويظل الإنسجام في منأى عني."
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن اللغة, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s