طبيب الأسنان

قلب المغترب هو قلب نازف

قلب المغترب هو قلب نازف

إحتاج الأمر لما يعادل العقدين من الزمان لكي يزوره أحد منا في بلاد غربته، وإحتجت أنا أن أصبح جارته يفصلني عنه بحر الشمال ودولة (أو إثنتان) بلون البرتقال لكي أستضاف في منزل هو ربه.

كان إحساسي جميل أن أكون بقرب أخي الأكبر من جديد.

فهو يملك في قلوبنا مكان خاص، ونتطلع إليه كقدوة لا يمثلها إلا من ملك إحترام الآباء من إخوانه الصغار.

بتلك المنزلة، قد تحمل أخي أعباء عدة منذ طفولته.

وبما يتناسب عمره قد زادت تلك المسؤوليات عليه في غربته التي لم تنتهي بعد.

ولصغر سني عندئذ، لا أتذكر اليوم لحظات رحيله الأول بحاذفيرها، ولكنني أتذكر أننا جميعنا بكينا بحرقة حين وداعه؛

أتذكر أنه كلما عاد لنا يكون محملا بهداياه الحانية على إخوانه الصغار، وبعبق السفر المميز.

أتذكر أن مجيئه عندنا كان دوما بمثابة يوم العيد، وفرحتنا أصبحت مضاعفة بعد أن كون له عائلة ليزداد علينا إشتياقنا لهم.

ليوم واحد، كان أخي هو طبيب الأسنان.

طريقنا لعمله كان طويلا نسبيا. فمشوار ساعة ونصف الساعة يعتبر مسافة “مقبولة” في هذه البلدان. غير أنه طريق يسلكه أخي كل يوم — فعند آخر محطة قسم له الله أن يسعى برزقه.

ولم يدم هدوء العيادة كثيرا عند وصلنا، فبكاء الصغيرة مريم إنتقل بسرعة الصوت في أرجاء المكان.

ومن ثم حان دوري، فنودي على إسمي بلغتهم الغير مفهومة لي، ولا هم يفهمون غيرها.

إنتظرت على مقعد العلاج، تؤنسني إبنته حنين بكل ما يحمله إسمها من معنى، وشخصها من أكثر من معنى؛ أهمها الألفة والطيبة.

أسناني لم تكن تؤلمني حقا، ولكن مع الفحص تبين أنها تعاني من عدة مشاكل.

وهذه عادة الإنسان.

فمع رؤية الخير في وضع أحسن، يتعرف الإنسان على ما كان غافل عنه من سوء، ويصبح راضيا بما كتبه الله جل شأنه له من أقدار.

جاء طبيب الأسنان، لتطل علي عيون أخي العسلية الغائرة من تحت مصباح الإنارة العالي.

وكونه فلسطيني أصيل، فما كان له إلا أن يتفاني في عمله الصعب (مما قد أثر عليه سلبا)  وجلسته التي طالت مع معالجتي، فيتصاعد الألم دقيقة تلو الأخرى وأشعر أن عضل فكي بدأ يرتعش لاإراديا، وأنني قد تشنجت.

مع هذا، لم يكن ذلك الألم الجسدي أكبر من أن يحتمل؛ فحقيقة الأمر تقول أن معاركنا النفسية أشد وطأة.

وفي النهاية، أسناني لم تتوقف عن إيلامي، ولكنني قدرت لأخي مبادرته معي رغم إرهاقه اليومي، وكرم ضيافته – هو وزوجته – لي.

حسام الدين هو أخي الأكبر الذي إرتحل عنا يوما ما بهدف الدراسة،

فطالت الأيام لينضج هو بعيدا عنا، ونكبر نحن بعيدا عنه، حتى أصبح البعد هو مستقره.

صارت الأيام التي تجمعنا به نادرة، لا تتعدى مدة العام في السنوات العديدة التي مرت به في غربته.

ولأن أحد أكبر آمالي أن نحظى بلم شمل للعائلة، سألته مرارا عن إحتمالية عودته إلى كنفها.

كان أخيرا رده حكيما ونابعا من خبرة سنين.

قال لي أن هناك أكثر من صنف من البشر: هناك من هم كالسمك الذي يموت عند إخراجه من الماء؛

وهناك من هم كالطير الذي يرحل عن وطنه عندما يحل الشتاء ويعود إليه في الصيف؛

وهناك من هم كالماء الجاري الذي يتشكل في أي وعاء يوضع فيه.

وأن من عاش حياة الغربة يصعب عليه حياة المقيم، وأن في النهاية لا أحد يدري حقا ما هو نصيبه بين البشر، فبلسم المسلم هو أمله في جنة الآخرة.

أنا أصدق أخي.

لعلي أعرف الآن كم هي حياتنا صعبة على أي حال، خصوصا أننا مسلمين مما يعكر علينا صفو حياتنا في الغرب، وأننا من فلسطين مما يعكر علينا صفوها في الشرق.

فوطننا يعيش في قلوبنا، ونعيش فيه نحن بأحلامنا.

ومن هنا يكون أحيانا قرار التغرب من أفضل الحلول المتاحة.

لا يهون علي المسافات التي تفصلنا عن بعضنا البعض، ولا أنا سعيدة بأن تفوتني الأحداث المهمة في حياة أخي وعائلته.

ولكننا جميعنا لنا حرية إختيار مسارنا في الحياة بما يتناسب مع أهدافنا وأولوياتنا.

والمفتاح في كل الأمور هو الصبر والرضا، ونسأل من الله الهدى.

وتبقى يا أخي دوما قريب…مهما بعدت المسافات.

مقتطف من "أطفال الحرية" لمارك ليفي:
"وقعت أرضا وخبطت الأرض ظهري. علي ألا أتحرك، الضجة ستصم أذني.
على بعد سنتيمترات مني من الجانبين، مرت العجلات صريرها على السكك.
وكانت محاور العجلات تلامسني وأشعر بنفخة الهواء التي يحركها ورائحة الحديد.
علي أن أحسب عدد المقطورات، وقلبي يطرق بسرعة داخل صدري.
ثلاثة بعد، ربما أربعة؟ هل سبق وقفز كلود؟
أود أن أضمه بين ذراعي مرة بعد وأخبره أنه شقيقي،
وأنني بدونه لما بقيت على قيد الحياة ولما خضت هذه المعركة.
توقفت الضجة وسمعت القطار يبتعد ورأيت الليل يغلفني.
أهذا هواء الحرية الذي أتنفسه أخيرا؟
تلاشى الضوء الأحمر وغاب في منعطف السكك.
بقيت حيا، وفي السماء رأيت القمر بدرا."
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to طبيب الأسنان

  1. isra كتب:

    biggg like sham

  2. د. موسى الخلف كتب:

    كلمات رائعة وشعور إنساني صادق. استمري في الكتابة وأرجو لك التوفيق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s