نكبتنا، لا محرقتهم

"أنا لست إرهابي."

"أنا لست إرهابي."

يحدث أن يمر على شعوب الأرض العديد من الأهوال، طبيعية كانت أم بشرية.

الأخيرة هي الأسوأ، فقسوة الطبيعة لا نفاق ولا شر فيها، أما أفعال البشر فهي خيارهم — أي هم قادرون على إختيار الخير والسلام ولكنهم قد يختارون الطريق الآخر.

ولأن لكل مجرم ضحية، نجد أن الشعوب تُضطهد على يد طغاة متعطشين للدماء.

فهم شيوعيو الإلحاد والمادية والمجازر، وهم النازيون العنصريون وما ألحقوه بالبشرية من ويلات، وهم السياديون البيض ضد السكان الأصليين و”الملونين”، وهم المستعمرون الأوروبيون في بلادنا، بلاد المستضعفين.

وهم أيضا – ولعقود طويلة – الصهاينة المحتلون لأرض فلسطين.

والعجب كل العجب في مثل هؤلاء البشر.

التاريخ يروي لنا كيف أن اليهود كانوا مظلومي العصر الماضي، بحيث وصل العداء ضدهم (إلغاءً “لضد السامية”) في أوروبا الى درجة إبادتهم جماعيا في ما يدعى بالمحرقة النازية التي طالت غيرهم أيضا.

ولكن ما يجعل النازيين سفاحي اليهود تخصصًا هو عدد ضحاياهم المتداول في دعايتهم؛ فست ملايين هو رقم كبير لأعداد اليهود، ولكنه يبقى مجرد رقم تتناقله الأفراد بين صحيح وخاطئ ومضلِّل ومستحيل تحديده.

أما في حاضرنا، فهم يحتلون أرض فلسطين “نظاميا” منذ عقود ستة، إبتداءً من نكبة 1948.

هي أعوام طويلة تفننوا في تطوير بروتوكولات التعامل مع الفلسطينيين بحيث يجرِّعونهم العذابات المختلفة: من سفك للدماء، وحرق للبشر تتنفس أو في قبورها، وتدمير للمنازل، وأسر إداري، وحصار خانق، وتفرقة عنصرية، وتضييق وقمع، وسرقة لأراضي وتاريخ، وتهويد لمقدسات، ودعاية صهيونية كاذبة، وغيرها الكثير من يوميات فلسطيني مناضل.

وبالفعل، نجاحهم باهر برصد الدعم الدولي “لقضيتهم”؛ فحكومات العالم تقف معهم ماديا ومعنويا مهما وصل فعلهم قبحا. والسبب الرئيسي لذلك يكمن فيما عاناه يهود الأمس على يد النازيين بصمت عالمي مطبق.

فالعالم بذلك يتوب عن ذنبه، حتى لو كان بذنب آخر أكثر فظاعة،

فأهداهم فلسطين على طبق من ذهب…من غير وجه حق.

ولم يخلو الأمر من تدبير ودهاء وصرف الأموال الطائلة من المدبرين، فتم نجاح الخطة بإصدار قرار أممي لتسليم الأرض؛ قرار تزامن مع إعلان السلام وحقوق الانسان كوسيلة للتعايش بين البشر…ويا لسخرية القدر.

وهكذا أصبحت فلسطين – إدماءً للقلب والعين – وطناً لليهود، وليذهب بذلك شعبها كاملا إلى جحيم الدنيا.

ومن ثم تحوّل المجني عليه الى جان متسلط مبتز، وجُعل مجرد التشكيك برواية المحرقة من أشد الأمور المكروهة والمخالفة للقانون، وهو أمر لا ينطبق على التعدي على الذات الإلهية. وبالإمتداد، يعتبر أي شخص ينتقد “دولة اسرائيل” شخصاً كارهاً لليهود لمجرد أنهم كذلك.

لينقلب الأمر رأسا على عقب؛ فالفلسطيني المعتدى عليه والذي يدافع عن هويته يصبح إرهابيا،

والصهيوني الذي يقتل ويسلب ويكذب يصبح الضعيف المسكين الذي يخاف أن تتكرر المحرقة عليه وعلى “شعبه المختار”.

كأننا نحن من أجبرهم على المجيء إلى أرضنا وطردنا من بيوتنا فقط من أجل أن نعاديهم بعنصرية…ثم نرميهم بالبحر.

هم يعيشون هذا الخوف حقيقة أم خيالا، علما بأنهم من أكثر الكيانات تسلحا. ولا تقف ذخيرتهم عند الأسلحة النووية التي يملكون منها ما قد يحيل عواصم العرب إلى غبار. ومع هذا هم يشكون ويبكون، والعالم كله آذان صاغية وألسنة تلهج بالدعاء من أجل عيون محرقتهم الغابرة.

قد تتساءل: ما مدى غباء هذا المنطق؟

كما قال آينشتاين: [غباء البشر] لا حدود له.

فمنذ متى كان المحتل ضعيفا يحتاج حماية من المضطهدين؟ ومنذ متى كانت نصرة الظالم أمر ترخصه الأعراف والقوانين؟

للأسف، مع عدالة قضيتنا الفلسطينية، فإن العالم أعمى أصم يركض وراء مصالحه. ولا متصد لهم إلا صمود الشعب الفلسطيني، وكل ما يناصره من شعوب وندرة من حكومات العالم.

أما اليوم، بدأ العالم يميز بين الظالم والمظلوم. فالواقع الذي لا تكذبه العين ولا تشكك به الأذن أصبح على شاشات التلفاز، وأوراق الجرائد، وبين خيوط شبكة الإنترنت.

ومن الجاهل المتلاعب الذي يجرؤ على تكذيب الحقيقة في صرخات الثكالى تحت وابل من قنابل محرقة؟

في قدسنا المغتصب وأقصانا الآيل للسقوط؟

في آلام المرضى والمحاصريين والأسرى المبعدين؟ في ظلمة مدينة غزة وقراها؟

في دموع المسجد الابراهيمي ومسجد بلال بن رباح في الضفة المسلوخين عن هويتهما الإسلامية إلى إرث مسخ مزيف؟

في عزلة بيت لحم وكنيسة المهد؟

في شوق اللاجئين والمشتتين إلى العودة؟

في عزم فلسطينيي الداخل المتمسكين بحقهم العربي الخالد؟

وفي مقاومة باسلة تعلن الجهاد في سبيل الله والوطن؟

أما اليوم، فمع إشراقه الأمل بفجر قريب ونصر أكيد،

وثوراتنا العربية المباركة،

فإن العالم أصبح أخيرا يعي أن حقيقة حاضرنا تكمن في نكبة فلسطين…لا محرقة اليهود.

مقتطف من "رجال في الشمس" لغسان كنفاني:
لم يكن أي واحد من الأربعة يرغب في مزيد من الحديث.
ليس لأن التعب قد أنهكهم فقط،
بل لأن كل واحد منهم غاص في أفكاره عميقاً عميقاً.
كانت السيارة الضخمة تشق الطريق بهم وبأحلامهم وعائلاتهم
ومطامحهم وأمالهم وبؤسهم ويأسهم وقوتهم وضعفهم وماضيهم ومستقبلهم.
كما لو أنها آخذة في نطح باب جبار لقدر جديد مجهول.
وكانت العيون كلها معلقة فوق صفحة ذلك الباب
كأنها مشدودة إليه بحبال غير مرئية.
سوف يكون بوسعنا أن نعلم قيساً وأن نشتري عرق زيتون أو عرقين،
وربما نبني غرفة نسكنها وتكون لنا،
أنا رجل عجوز قد أصل وقد لا أصل.
أو تحسب إذن أن حياتك هنا أفضل كثيراً من موتك؟
لماذا لا تحاول مثلنا؟ لماذا لا تنهض من فوق تلك الوسادة
وتضرب في بلاد الله بحثاً عن الخبز؟
هل ستبقي كل عمرك تأكل من طحين الإعاشة،
الذي تهرق من أجل كيلو واحد منه كل كرامتك على أعتاب الموظفين؟
وتمضي السيارة فوق الأرض الملتهبة ويدوي محركها بلا هوادة...
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s