لحظة لها أثر

محطة للغرباء

محطة للغرباء

عطلة أسبوع طويلة، وفرصة للتسوق في مدينة أخرى.

رغم أني لم أحتج الذهاب للسوق، إلا أنني قلت في نفسي: “لما لا؟”

ذهبنا بواسطة القطار، مجموعة فتيات كل منا لها قصة قد تعبر عنها إن أفسح لها المجال…أو قد لا تفعل.

فمن صديقتين لسنوات وإن إختلفتا بالديانة، لصديقتين من أشهر وإن إتفقتا بالأصل، لخامسة عاشت أياما صعبة تظهر كإضطراب في عينيها.

إهتدينا للمكان بسؤال عابر سبيل، ركبنا الحافلة، مشينا قليلا، ووصلنا.

إزدحام يوم السبت في المحلات التجارية لا يختلف بين المدن كثيرا،

حتى وإن ظهرت لنا قبل دقائق تلك المدينة الصغيرة قليلة الضجة في يوم عطلة كهذا، لكن الناس تحج للأسواق في هذه البلدان.

حالة فكرية تدعى داء المستهلك، ناتجة عن جرثومة الرأسمالية.

تسوقنا طويلا، أكثر مما رغبت شخصيا؛

فمنذ مجيئي إلى هنا أصبح السوق في مرتبة متأخرة على قائمة الأماكن المفضلة عندي.

رغم سؤال صديقتي لي: “هل مللتِ؟” وجوابي: “أبدا!”

إلا أنني ما أحسست بمعنوياتي ترتفع إلا عند وقت الغداء.

ولأول مرة أتذوق الطبق المتعارف عليه لديهم، على طريقتهم: وجبة سمك وبطاطا مقلية.

وهي تستحق الشهرة حقا.

في الكتب وجدت ضالتي، كما هو حالي دائما،

ولم يعكر صفو بحثي في الصفحات سوى عقلي الباطن.

استمرت مسيرتنا، ووجدت نفسي أنغمس بتذكر أهلي في الممرات الممتدة للسوق.

بدأت الشمس تغيب وراء الغيوم أكثر فأكثر،

ورحل المتسوقون تدريجيا، والبائعون فعلوا المثل.

ركبنا سيارة الأجرة الكبيرة، ووصلنا إلى محطة القطار نفسه الذي أخذنا للمدينة.

كنا هناك قبل وقت رحيل القطار بوقت، فكان لنا متسع بأن نسترخي، نتحاكى…ونصلي.

جلوسا فعلنا، بعد تردد ما من نظرات الركاب.

إنتهيت أنا أولا.

صلت صديقتي بعدي…إلى جانبي، كدرع حماية وهمي من شعور حقيقي بالوحشة.

بدأ القطار يتحرك، فيأتي قاطع التذاكر ويتحقق من أحقية وجودنا على القطار.

قال لي شيئا ما، لم أفهمه…مرتين، فلكناتهم تصعب على الأذن الغير متمرسة.

وإن كنت لم أفعل، لكنه ظهر لي أنه شيء حميد،

كمديح يدعو للمجاملة بإبتسامة أو ضحكة خفيفة، ساعدتني عليها صديقتي بأن بادرت بها.

إستمر قاطع التذاكر في عمله، وحاولت أن أترجم ما قاله.

لم أفلح تماما.

توقف القطار عدة مرات…كحاله، لينزل بشر إنتهت رحلتهم ووصلوا لمرادهم اللحظي،

ويصعد غيرهم بدؤوها توا.

وهكذا إستمر المشهد، حتى توقفنا لدقيقة عند محطة تسبق محطتنا،

وينزل قاطع التذاكر نفسه.

كنت أنظر من النافذة في لحظة صمت مؤقتة، ولا أرى شيئا.

لمحته يبتسم لي من الخارج ويرفع يده يودعني،

إبتسمت له، ورفعت يدي،

ولكن تحرك القطار حجب الأنظار،

فحفظت وضع حالتي كما هو لجزء من الثانية، لتلتقي لحظة وداعنا مرة أخرى،

ويستمر القطار في مساره.

للغرباء أحيانا مواقف ألفة قد تجمعهم دون إنتظار مقابل أو إحتمالية عاقبة.

فأنا لم أفهم كلماته الملكونة،

ولكن إلتفاتته لم تحتج لترجمة أو تفكيرا عميقا لفك عقدها — فقد كانت واضحة كالشمس…حتى للعقل الغائم.

ولن أرى ذلك الشخص مرة أخرى، وأستبعد أنه ينتظر أن يراني،

لكنها بالفعل كانت لحظة إنسانية لا تتكرر كثيرا.

حقيقة الأمر أن شعوري طيلة اليوم كان هو شعور المسافر،

وهذا ما كنت عليه حقا: مسافرة برحلة إمتدت طويلا، وقد لا تنتهي ما حييت.

ولكن تلك اللحظة البسيطة الصادقة أدمعت عيناي،

لتعلق الصورة في ذاكرتي، وتلهم قلمي،

وتلخص ذلك اليوم كله في…لحظة لها أثر.

قصيدة "لا أعرف الشخص الغريب" لمحمود درويش:
لا أعرف الشخص الغريب ولا مآثرهُ...
 رأيت جنازةً فمشيت خلف النعش،
 مثل الآخرين مطأطىء الرأس احتراماً. لم
 أجد سببا لأسأل: من هو الشخص الغريب؟
 وأين عاش، وكيف مات [فإن أسباب
 الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة].
 سألتُ نفسي: هل يرانا أم يرى
 عدماً ويأسف للنهاية؟ كنت أعلم أنه
 لن يفتح النعش المُغطى بالبنفسج كي
 يُودعنا ويشكرنا ويهمس بالحقيقة
 [ما الحقيقة؟]. ربما هو مثلنا في هذه
 الساعات يطوي ظلَّه. لكنه هو وحده
 الشخصُ الذي لم يبكِ في هذا الصباح،
 ولم ير الموت المحلق فوقنا كالصقر...
 [فالأحياء هم أبناء عم الموت، والموتى
 نيام هادئون وهادئون ولم
 أجد سبباً لأسأل: من هو الشخص
 الغريب وما اسمه؟ [لا برق
 يلمع في اسمه] والسائرون وراءه
 عشرون شخصا ما عداي
 وتُهتُ في قلبي على باب الكنيسة:
 ربما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجئٌ
 أو سارقٌ، أو قاتلٌ... لا فرق،
 فالموتى سواسية أمام الموت.. لا يتكلمون
 وربما لا يحلمون...
 وقد تكون جنازةُ الشخص الغريب جنازتي
 لكنَّ أمراً ما إلهياً يؤجلها
 لأسباب عديدة
 من بينها: خطأ كبير في القصيدة!
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to لحظة لها أثر

  1. marsheee كتب:

    جميلة…و احساسك طالع و باين فيها…حقاً للغرباء أثر في أفعالهم..مهما كانت…إذا كانت إبتسامة فإنها تعطينا إحساس بالسعادة والأمل في هذه الحياة…و إذا كانت نظرة أو كلمة مجرحة فإنها أيضاً تؤثر فينا وتكئبنا..الله يعطيكي العافية

  2. سالي كتب:

    فعلاً!! لحظـــــة لها أثر !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s