في يدي كتاب

لا تكن صوفيا لتسمو بروحك؛ كن قارئا

لا تكن صوفيا لتسمو بروحك؛ كن قارئا

لا يخفى على أحد أهمية القراءة للإنسان.

فلعقله: فهي تنمي قدراته التحليلية، وتجدد مداركه الفكرية، وتعمق أفاقه الثقافية…وغير ذلك من الأمور الحسنة والصفات المركبة.

ولحياته: هي تدخله عوالم أخرى، وتثري إنسانيته بالعيش مع بشر آخرين لم يكن ليتسنى له العيش معهم بغير هذه الطريقة؛

فكيف كان لك أن تعرف ما هو شعور المنفي العائد إلى

وطنه بعد 30 سنة من الغربة، ليراها مهترئة

من إحتلال لم بنتهي ولن ينتهي بإتفاقية سلام، كما هو في “رأيت رام الله”؟

أو أن تتعرف على مميزات الشخصية الجليلة للفاروق عمر بن الخطاب التي بها اصطفاه الرسول الكريم محمد – صلى الله عليه وسلم – كرفيق له، كما في “عبقرية عمر”؟

أو أن تحيا في انغلترا القرن ال 19 حيث النبلاء لا عمل لهم سوى أن يكونوا…نبلاء، كما في “إيما”؟

أو حتى أن تؤمن ولو قليلا أن للمصاصي الدماء وجود في عالمنا وأنهم أخيار، كما في “الغسق”؟

فالشخصيات في الكتب تجذبك لها، والأحداث في الماضي أو الحاضر أو المستقبل أو اللاوقت، تدعوك دوما للإندماج في محيطها وظروفها كأنها حياتك الحقيقية، وكأنك جزء منها.

وتخرج من كل تجربة قراءة أكثر إنسانية،

وإن كنت محظوظا، أكثر فهما وحكمة.

ولإن كل كتاب رحلة تحمل قارئها بين أوراقها، أجد من السهل أن أضيع في هذا العالم عن الواقع من حولي.

على الأقل، لبعض الوقت.

في بعض الأحيان، أستبدل الناس بكتاب.

أتمنى لو كنت وحدي لأعود لكتاب بدأت فيه مسبقا.

في بعض الأحيان، أهرب من الساعات الطوال بالقراءة الدؤوبة.

أستغل الأوقات الضائعة بإنهاء ما أمكن إنهاؤه من صفحات مخطوطة بكلمات.

وفي بعض الأحيان، أكون في مشاوير، ولا أريد التفكير،

فكما قال حكيم، الفكرة من القراءة أن تحكر عقلك حتى يقوم بتفكيره الخاص — لا تفكيرك.

فأمسك كتابي، أتجاهل من حولي، وأغرق بما أعطاه الله تعالى لكاتب ما من قدرة على التعبير والوصف.

في يوم ما، تعرفت على حقيقة أخرى عن القراءة في الكتب لم أكن أدركها مسبقا.

لم أعلم أن للقراءة قدرة على جعل القارئ وهو في عالمه الخاص، أكثر شعورا بالعالم الخارجي…على مستوى اللاوعي.

لم أشعر بنفسي في ذلك اليوم وأنا على الحافلة عائدة من الجامعة إلا بمشاعر ألفة المكان تختلجني؛

أني أشتم رائحة المقعد والأرض في الداخل،

وأن أكون أكثر حساسية للشجر والسماء في الخارج،

وألتمس الهواء الدافئ في كل مكان؛

أن أتصل بأشعة الشمس الساقطة علي من خلال زجاج النافذة الملاصق لي؛

وأن تتحول هذه الألفة لصورا ترتسم في مخيلتي…فأخزنها لذاكرة المستقبل.

الحقيقة التي توصلت لها أن للقراءة تأثير على روح القارئ — تأثير لحظي،

تسمو بروحه، تهدئه، وتجعله يتوقف “ليشتم رائحة الزهور”؛

تجعله يقدر الجمال عامة، ويهتدي لمخرج له من مطحنة الأيام وروتينها.

حقيقة ما أكتشفها لو لم يكن في يدي كتاب.

فالكثير منا من يتوقف عن القراءة بعد إنتهاء سنوات المدرسة أو الجامعة،

من يمتنع عن التعلم متى ما انتهت مسيرته العلمية.

الكثير منا من يحرم نفسه من القوة التي وهبت له بالإزدياد من المعرفة كلما أمكن،

الكثير منا من تخلى أيامه من الإمساك بكتاب بين يديه، والعيش في تجربة مختلفة تصل به إلى السمو النفسي.

وهو الغريب حقا؛ فكيف لنا أن ننضج معرفيا وثقافيا ونتصل بذواتهم الداخلية إن لم يكن من خلال…كتاب؟

أردت أن أوصل رسالة داعبت ذهني،

رسالة وصلت من خلال يدي،

أردت أن أوصلها الآن…ففي يدي كتاب.

قصيدة "لا مشكلة لدي" لمريد البرغوثي:
أتَلَمَّسُ أحوالي…لا مشكلة لديّ
شكلي مقبولٌ. ولبعض الفتيات
أبدو بالشعر الأبيض جذاباً
نظّاراتي متقنةٌ
وحرارةُ جسمي سبعٌ وثلاثونَ تماماً
وقميصي مكويٌ وحذائي لا يؤلمني
لا مشكلة لدي
 
كَفّاَي بلا قَيْدٍ. ولِساني لم يُسكَتْ بعد
لم يصدر ضدي حٌكْمٌ حتى الآن
ولم أُطرَدْ مِن عملي
مسموحٌ لي بزيارة مَن سَجَنوهمْ مِن أهلي
وزيارةِ بعضِ مقابرهمْ في بعض البلدان
لا مشكلة لدي
 
لا يدهشني أن صديقي أَنْبَتَ قَرْناً في رأسه
وأُحِبُّ بَراعَتَهُ في إخفاء الذيل الواضحِ تحت ملابِسِهِ
وهدوءُ مخالِبِهِ يُعجبني.
قد يفتك بي، لكني سوف أسامحه فهو صديقي
وله أن يؤذيني أحياناً
لا مشكلة لدي
 
ما عادت بسمات مذيع التلفزيون تُسَبِّبُ لي أمراضاً.
وتعوَّدت على توقيف الكاكيَّين لألواني
ليلاً ونهاراً. ولهذا
أَحْمِلُ أوراقي الشخصيةَ حتى في المَسْبَح
لا مشكلة لدي
 
أحلامي رَكِبَتْ، أمسِ، قِطارَ الليلِ
ولم أعرف كيف أودعها
وأَتَتْني أنباءُ تَدَهْوُرِهِ في وادٍ ليس بذي زرعٍ
(ونجا سائقُه من بين الركّاب جميعاً)
فحمدت الله، ولم أبكِ كثيراً
فلديَّ كوابيسٌ صغرى
سأطوِّرها، إن شاء الله، إلى أحلامٍ كبرى
لا مشكلة لدي
 
أتلمَّس أحوالي منذ وُلدتُ إلى اليوم
وفي يأسي أتذكر
أن هناك حياةً بعد الموتِ
هناك حياة بعد الموت
ولا مشكلة لدي
 
لكني أسأل:  
يا ألله!
أهناك حياةٌ قبل الموت؟
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين, عن اللغة, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s