على بالي

على بالي أمور، لا أدري أيها أهم

على بالي أمور، لا أدري أيها أهم

في مسار حياتنا تضيع منا فرص عدة، قد نندم عليها لاحقا،

وقد نندم عليها في اللحظة التي نضيعها بها.

فضياع تلك الفرص قد لا يكون لأمر أردنا أن نقترفه بالضرورة،

لأننا في بعض الأحيان يصعب علينا إلا أن نسلم للقدر.

أما عن فرصنا التي ذهبت سدى،

فليس من أمرنا أن نتلوى ألما على ضياعها.

فما الفكرة على أي حال؟

أنعيدها لأحضاننا عندما نجلد أنفسنا؟

أم نعاند القدر في حين أن قوته هي أعظم من خصوبة خيالنا؟

هي تذهب للأبد، أو لوقت من الزمن؛

فقد تعود – فقط لأن العالم مرتع بالفرص اللامنتهية.

وكل يوم هو يوم جديد،

وفي كل يوم جديد فرصة أخرى؛

فرصة تخفف عن هذا العالم المتهالك آلامه.

فإن كتب لها ولنا أن نعيشها مرة أخرى،

قد يكون رجوعها ذو قيمة زادها مرور السنين، كما الإرث،

أو قد تكون فاقدة لكل قيمة، من تراكم العمر…من تراكم الصدأ.

وتبقى العاقبة سرا بجعبة القدر.

أما أنا، فكوني هاوية للتصوير،

تستوقفني بكثير من الأحيان مناظر ومواقف أراها أمامي،

أتمنى عندها لو كنت أملك كاميرا معي في جميع الأوقات.

وقلت مرة لصديقتي: “أتمنى لو كانت في داخل عيني كاميرا تلتقط ما أراه تلقائيا.”

هي أمنية مفيدة قد تسهل حمل الكاميرا،

والإضطرار لمواجهة لحظات التجمد التي قد تصيب المصور عند تحديد إطار الصورة والضغط على زر التصوير.

ولكي أستبدل فرصي الضائعة،

قررت أن أكتب عنها: كلمات عوضا عن رسومات.

  • تناقض

ممر ضيق محاط بنوافذ كبيرة،

إنارته بيضاء، تختلف عن الإنارة الصفراء في محيط طرفيه.

على حواف نوافذه وضعت أصص لزهور لطيفة المنظر.

عندما ترفع نظرك لتلحظ ما وراء الأصص،

ترى أكياس قمامة متراكمة في الساحة الخارجية.

كأن لسان حال الصورة يقول: هي طبقاتي، هو تناقضي.

أوليس ذلك حال البشر؟

  • توقعات

طفل في عربته. يلبس قبعة على رأسه موصولة بقميصه الأحمر.

ينظر على من حوله،

يرقب ملامحهم من غير أن تتسجل أي منها في خرينة ذاكرته.

ينتقل من وجه لآخر.

يأتي وجه جديد، يجلس أمامه.

ينظر إليه الطفل، كأنه ينتظر لهذا القادم أن يلحظه.

الواضح أنه لم يفعل، فقد تغيرت ملامح الصغير من فضول إلى إنزعاج.

أمر من جانبه، فيتطلع إلى الأعلى بعد أن يلف وجهه إلى الخلف لينظر إلي،

فتغطي قبعته عينه ويبصرني بعين واحدة،

فأبتسم لمنظره.

بساطة الطفولة هي التي تنتظر من العالم أجمع بأن يرقى لمطالبها، ولا تتوقع غير ذلك.

فأتساءل: أليس الله رحيما فعلا بأن جعل الأطفال…أطفالا؟

  • عقل غائم

فتاة تجلس في المنتصف من المقعد الخلفي للطابق العلوي في الحافلة.

على اليمين منها شاب يجلس برجل فوق الأخرى، وآخر على اليسار وقدميه على المقعد الأمامي منه.

لسبب ما، الفتاة ظهرت لي كالسجينة المحاطة بسجانيها.

أهو بسبب حقيبتها التي على حجرها؟

تحتضنها كما الغريق يحتضن قشة.

أبسبب وضعية قدميها بالتضاد مع الشخصين المجاورين؟

على الأرض، متلاصقتان ببعضهما البعض كمن يبحث عن أساس ثابت في حياته.

ألأن المنظر من أمامها هو الفراغ بين مقاعد الحافلة الممتددة؟

فالنوافذ من حولها يحتكرها غيرها.

أكانت فعلا سجينة؟

أم أن عقلي خانني…مرة أخرى؟

  • حزن شفاف

ولد قدرت أن عمره بالعاشرة،

يلبس قميص أحد الفرق الرياضية.

رأيته قادما.

لفت إنتباهي أنني لم أستطع رؤية حدقة عينيه؛ لم أرى سوى بياضا.

أطلت النظر عليه حتى إقترب مني،

فميزت لونهما الأزرق الباهت لدرجة الشفافية.

خيل لي بأن شيئا يشغله؛ فهو كان بحركة مستمرة،

يجري في الإتجاه الذي أتى منه، يده في جيبه، يحركها ليسمع صوت النقود.

يرجع، وجهه أحمر كأنه على حافة البكاء.

يقف إلى جانبي. أنظر إليه، وأجده فعلا يقاتل ضد دموعه.

ينتبه لي، أبتسم سريعا، وألف وجهي.

أفكر: هل أسأله إن كان يحتاج مساعدة ما؟ قد تنقصه نقودا لأجرة الحافلة.

تأتي الحافلة، أركب، ومن طرف عيني أراه واقفا مكانه.

أفكر فيه قليلا، ثم أنساه.

بعد مدة لم تطل، أنظر في الأسفل عند أحد المواقف، وأراه ينزل من الحافلة.

أفكر: على الأقل سيصل إلى أهله سالما، معهم سيجد راحته…

أو أتمنى ذلك.

  • وشم

رجل بوشم على رقبته من الخلف، ليراه الملأ:

“جوليا: 04.2.22”.

من هي يا ترى جوليا؟ حب ما بالأغلب.

أقابلها بذلك التاريخ؟ إرتبط بها؟

هل ماتت بذلك التاريخ؟

أعقل: بما أن الدنيا مليئة بالمآسي، فهو بالأغلب تاريخ موتها،

وهو يحاول أن يخلدها في كيانه.

كيف ماتت؟ أكان حاضرا عندما ماتت؟

أمات معها؟

لا يخلد حي ميت إلا من مات بنفس تلك اللحظة أيضا،

وهو الآن ذكرى إنسان قد عاش يوما لإنسان آخر.

كم هي الدنيا مليئة بالمآسي.

  • سريالية

إمرأة في وضح النهار،

تعبر الشارع كأنها خارجة من شاشة التلفاز.

هيئة سريالية، تظهر بفستان فاخر، طويل وواسع.

حقيبة يد، مكياج كامل، وتسريحة شعر عالية.

كأنها ذاهبة لتقديم دور ما على خشبة المسرح…مشيا على الأقدام.

أو قد تكون ذاهبة لحفلة تنكرية.

قد أكون رأيتها قبل أو بعد تلك المرة.

ولكن كيف لي أن أعرفها…من غير فستانها الفاخر؟

طبيعة الإنسان، والرغبة في التميز دائما.

في الأعلى صور لمست خاطري،

وحتى لا أنساها، سجلتها بقلمي.

وتبقى غيرها أمور…قد تبوح بها، ولا تكتب عنها،

قد تكتب عنها، ولا تبوح بها.

قد تحاول بذلك أن تنساها، ولا تفلح تماما.

ولكنها تبقى محصلةً…أمورا على بالي.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s