آآآآهْ يا وَطَنْ…!

للقضية وجهان، والعبرة في النهاية

للقضية وجهان، والعبرة في النهاية

كنت في غرفتي، أضع مكياجي إستعدادا للذهاب لحفلة خطبة،

وفي الخارج حيث الصالة، صوت التلفاز عالي وكلمات منسقة لرجل يقرأ من على ورقة.

اليوم الجمعة 2011.9.23، الساعة تجاوزت ال 7 مساءً بتوقيت هذه المدينة وضواحيها،

يخرج علينا محمود عباس،

كرئيس لدولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية (على حد قوله)،

أمام الملأ مباشرة من مقر الأمم المتحدة في نيويورك،

وفي سابقة بتاريخ شعب فلسطين،

حاملا معه طلب رسمي أمام “المجتمع الدولي”، ملوحا به أمام الجمهور والكاميرات.

الطلب الرسمي هو رغبة (شخصية؟) في تدويل فلسطين وجعلها عضوا في منظمة الأمم المتحدة.

رغما عني، إستمعت للخطبة.

فحقيقة، كغيري من شعب فلسطين في الشتات، لم أعر إهتماما لهذه المبادرة، ولا لذلك الجهد الكلامي.

ورغما عني، شعرت بالحماسة للخطوة،

بتصفيق المؤيدين الحار، على مجمل العبارات،

وخاصة الأخيرة منها حين إقتبس محمود درويش.

فشعرت أن لجسارة الرئيس معجبين،

وأنها ندوة شعبية، عوضا عن كلمة لها ثقل في محفل دولي.

ولكن لا بأس؛ فلأعدائنا مطبلون أيضا أينما حلوا وارتحلوا — كأن مطبليهم مأجورون بغرض النفخ والتطبيل لإعلاء قيمتهم بين البشر.

ومن ثم، وقفت أمام التلفاز لثواني لأرى ردة فعل الشارع الفلسطيني في الضفة، حيث المشاعر الفياضة والتأييد الأكثر…فوضى.

ولا أثر لما يحدث في قطاع غزة، أو ال 48، أو الشتات.

فتتوالي نداءات الإستعجال من والدي التي أفسدت علي نشوة رؤية أبناء بلدي يحتفلون…

حدث جلل، أليس كذلك؟ ولكننا تأخرنا عن الحفل.

في الساعات اللاحقة، وعلى الإنترنت، الواقع لا يختلف كثيرا؛ إنقسم أفراد الشعب الفلسطيني لغير مكترث على الإطلاق، لمحايد، ولمؤيد (لفصيل الرئيس؟).

وأبدأ في التفكير قليلا، والجدال في هذا الجدل.

الأخذ والرد في إيجابيات الخطوة وسلبياتها كثير — خصوصا السلبيات.

ومن أهمها ما قاله مختصون ومحللون من قبل، من الخطورة المحتملة وعدم جدوتها الشبه مؤكدة،

ومما يشعر به كل فلسطيني مؤمن بعدالة السماء ويعيش قصة رومانسية مع الأرض كما صار حالنا على أي حال،

من عدم تطابق فكرة كامل التراب الفلسطيني مع الفتات الملقى على وجهونا منذ زمن — وهو فتات قابل للإنكماش المتصاعد مع المستوطنات والمساحات الشاسعة المسند عليها جدار الفصل العنصري، إلخ (أي وطن ذاك الذي سنعيش عليه بحق الله؟)،

ومن أن الرئيس صاحب سجل الإخفاقات السياسية على المستوى الداخلي-الفصيلي والداخلي-الإحتلالي، يفعل ما يفعله لغرض ما في نفسه، وهو تطهير للصفحة الأخيرة من سجله قبل أن يترك المكتب الذي لم يعد له من 3 أعوام،

بضغط شعبي وإقليمي ربما، تجاوز رضوخه المعهود،

وغير ذلك كثير.

وفي المقابل، مع تخفي الإيجابيات لنا، رغم أن ظاهرها واضح:

قانونيا لنلجئ للمحاكم الدولية لتجريم أفعالهم المجرمة (كـأن أعداءنا يكترثون بهذه المنظومة وتشريعاتها البالية)،

أو ميدانيا على مستوى الشعب، بأن يحق لنا أن نقول: “أنا فلسطيني. وها هو جواز سفر دولتي. إقبلني، إقبلني.”

في حقيقة الأمر، يقف الفلسطيني عاجزا عن القبول أو الرفض.

فكيف يرفض الفلسطيني فكرة وطن تم الإعتراف به دوليا؟

بعد تهجير دام 6 عقود ومئات الأيام،

بعد تكدس الجنسيات المختلفة في حوزته من شتى بقاع الأرض؛

كيف يرفض أي شيء قد يحرك القضية،

قد يضخ دماء جديدة (غير تلك التي تنزف) في الجسد الراكد بعد 20 عاما من التفاوض الغير مجدي؟

كيف يرفض الأمل والحلم بالغد حيث العالم معه وفي صفه؟

كيف؟

ولكنه كذلك، كيف له أن يقبل؟

بأقل مما هو حقه؟

ألا يعتبر التنازل عن فلسطين التاريخية، والقبول بأقل من 20% منها، إنهزاما مدويا لروح المقاومة الأبدية عند ذلك الشعب، وتضحية بحق عودة كل فرد إلى بيته الذي هجر منه، إلى شجرة الزيتون التي تركها خلفه، إلى المفتاح المعلق حول عنق الجدة؟

كيف له أن يثق بمن باع القضية سابقا،

وبصدق نوايا من يراه يموت يوما بعد يوم في مجازر بني صهيون،

ويسكن مخيمات الصفيح والخيم المنصوبة بتكرار، ولا يهتم؟

الشعب الفلسطيني هو أكثر الشعوب إستحقاقا لوطن يعيش عليه بكرامة – يعمره ويبنيه، يصلي في أقصاه وقيامه، يتجول في ساحله وعلى جباله، يحمل جوازه ويشكي من ضيق عيشه حتى إن أحب.

الشعب الفلسطيني هو أكثر شعوب العالم رغبة في دولة يعيش فيها في الواقع، وليس في ذكرياته وأحلامه فقط، حيث إتصالنا به يكمن.

وقد تكون لهذه الحركة – مع توقع فشلها الذريع – عواقب حميدة لخدمة القضية في المستقبل،

ولكن بما أن الرئيس ذهب للأمم المتحدة من غير أن يطلب رأيي الشخصي كمواطنة فلسطينية محتملة،

وبما أن نتيجتها لن ترجعني لوطني أو ترجعه لي، لن تعيد لي بيت ومزرعة جدي، لن تمنحني حق اللجوء في فلسطين تحتضنني (من ظلم وظلامية العالم) متى رغبت،

لن تسهل حياة من هم في الداخل،

لن تغير أي من المعطيات على أرض الواقع،

وفوق هذا، ستطعن بحلم فلسطين ورومانسية الأرض في قلبي وعقلي،

فأنا لن أقبل…ولن أرفض،

سأبقى صامتة عن النتيجة؛

سأبقى مسلطة ناظري على ما يحدث في الشارع العربي حيث رهاننا،

ولتبقى فلسطين للآن قضية مؤجلة.

نهاية، خرجت من الحفل،

وفي قلبي أدعو الله أن يكون نصيب العروس أكثر ملاءمة من نصيب فلسطين.

وآآآآه يا وطن…!

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to آآآآهْ يا وَطَنْ…!

  1. أيهم ع. سليمان كتب:

    ع فكرة أختي، محمود درويش، اللي استشهد فيه الرئيس عباس، كان رافض اتفاق أوسلو….
    أنو شوفي على المفارقة.
    دمتي بخير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s