هـذيان

لا تترك قلبك عرضة للإحتراق

لا تترك قلبك عرضة للإحتراق

يقال أن بعضا ممن عانوا من تجارب خطف وإعتداء جسدي أليمة،

يطورون حالة نفسية من الترابط العاطفي مع خاطفيهم،

بحيث يجعلهم معلقين بهم، بل قد يصبح سجانوهم أقرب الناس لهم.

الحالة تدعى متلازمة ستوكهولم.

هذه قصة فيها ذلك الإستضعاف هو البطل الأساسي،

من نسج الخيال.

في غرفة مظلمة تركها،

وحدها،

بحالة من الإضطراب واللاوعي،

بين ثنايا حاضرها، وفتات أحلامها،

خاطفها أغلق عليها الباب ورحل.

رأى صغر سنها وتخبطها الواضح فرصة مناسبة للإقتناص،

وإقتناصا فعل.

لم تشفع لها هشاشة قلبها وشفافية مشاعرها،

كما لم تشفع لها صلابة ملامحها، وإنغلاقها على من حولها؛

كان يرى من خلالها،

وعرف كيف يودي بها إلى قيعان الطريق الأحادي،

لتصل إلى بره الحصري، معصوبة العينين،

تمشي بلا هدى، ليتركها بلا رشد.

ولا تدري من أي وجهة هو طريق العودة.

لتتساءل لاحقا: هل هناك طريق للعودة؟ أم قد تركت في مصيرها الذي خلقت من أجله؟

أما خاطفها، فقد أكمل حياته،

وتنقل هنا وهناك.

سار بعيدا ليتوب عن خطيئته المستمرة،

خطيئة لا تنتهي…إلا بنهاية ضحيته.

لكنه لم يحمل نفسه على إنهائها قبيل رحيله،

وليته فعل.

ترك لنفسه فسحة معها، علها تتوقف عنه.

عاد خاطفها ليزورها عدة مرات منذ أن إرتكب جريمته الأولى.

أتى ليخبرها عن أحواله، كيف حياته تسير تلك الأيام.

أخبرها أنه أصبح صالحا،

أن الحياة تجري لما يريد ويخطط له الآن؛

أنه قديما قد ظُلم،

وأن العالم لم يعطه الفرصة التي إستحقها وبجدارة.

أنه قد رُفض مرارا وتكرارا،

وبدوره تعلم الرفض؛

فالدنيا الدنية أصبحت تنصفه الآن.

كان يسرد قصته وهي تنصت له،

بإمعان المفكر وخشية التقي،

ولا تأخذ دورا بالحديث.

كانت تنصت،

كأن الحياة تتوقف على حرف من منطقه، ولمحة من رسمه،

وهو واقف أمامها.

كانت تخزن المشهد الجاري في بطاقة الذاكرة،

مستحرضة صورتها وهي في حالة من الهذيان والإستوحاد،

عندما تسترجع شريط الحديث ذاك في عقلها.

لم يكن يحدث شيئا بعد أن ينهي سطره القبل الأخير بنقطة،

كانت تبقى صامتة، ولم يكن هو ينتظرها.

كان يقف ليغلق النافذة، يتأكد من عدم قدرتها على رؤية الضوء،

يسير لجهة الباب، يريح يده على المقبض لثوان،

ينظر إليها من طرف عينه،

يتأكد من مشهدها المعتاد:

جالسة على الأرض،

رأسها بين يديها،

وهي بين يدي أوهامها؛

يكمل إستدارة المقبض إلى الأسفل، ويرحل.

في أحد المرات، كسر تلك العادة،

لسبب لم تعرفه إلا تخمينا؛

ليسمع صوتها، إنتظرها لدقيقة…أو للأبد.

أدركت هي التغير الطارئ، نظرت إليه لوهلة.

لم تكتمل،

فقد كان قد أدار وجهه بعيدا عنها وذهب،

بعد أن ترك شعاع من الضوء على مد بصرها.

وقت لم تحسبه قد مضى،

ليكُشف أمرها، ويعرف مخبأها، ويؤتى بها إلى واقع من ماض لا تتذكره الآن.

أحست بنشوة كونها أحيلت لكتاب مفتوح، ثم أهلكها ذلك المنصب.

في ومضات الصفاء الذهني القليلة التي تزورها لتهدأ من هيجان أفكارها،

أيقنت حقيقة أمرها؛

هي تتعاطف مع إنسانية خاطفها،

بل كانت ترى الإنسانية فيه ومن خلاله.

كانت توقن أن ما فعله كان بحسن نية،

أنه لم يقصد إيذاءها،

أو أن يتسبب لها بهذيانها، أو أن يكون مصدر هوسها،

بل كان يريد إنقاذها؛

كان يعرف أنها تحتاجه في حياتها،

كان يريدها أن تجد نفسها،

ولم يعني أن تضيع عنها من بعده.

ذهب بها الحال لتستنتج أنه هو ضحيتها،

وأنها أخطأت بحقه أيضا.

شخصوا حالتها،

قالوا أنها تعاني من متلازمة ستوكهولم،

أنه يتوجب عليها أن تنسى أو تتناسى،

لم تعترف بآرائهم،

فهم لم يجدوا لها علاجا فعليا بعد.

واستمرت كما إرتأت لنفسها المستضعفة.

في ليلة شعرت بتعب يباغتها،

قررت أن تلجأ للنوم –

نوم مقلقل، يأتي من يُنظر بحالته ليبت في أمره؛

يأتي من ينتظر المستقبل.

نظرت تتأمل نفسها بالمرآة،

بضفيرة تلم بها شعرها على الجهة اليسرى،

وقميص فرقتها المفضلة من أيام الدراسة،

كحلها مازال في محله من خروجة المساء،

تحرقها عينيها…من التفكير به:

كيف له أن يخطئ بحقها لهذا الحد؟

كيف لها أن تكون عمياء لهذا الحد؟

تلم شعرها إلى الأعلى،

تهرب من أفكارها، ممن حولها، ومن بداخلها،

تغلق عينيها،

تغيب عن هذا الوجود،

تحلم بنهاية، تحلم بالجنة.

تُعطى فرصة، وتكتب بداية…

مقتطف من رواية "ماء للفِيَلة" لسارة غروين:
"العمر سارق مريع. فقط عندما تبدأ بفهم الحياة،
ينفض ساقيك من تحتك ويحني ظهرك.
يجعلك تتألم، يشوش رأسك،
وبصمت، ينشر السرطان عبر شريكك.
إنتشاري، الطبيب قال. لديها أسابيع أو شهور.
ولكن قرة عيني كانت ضعيفة كالطير. ماتت بعد 9 أيام.
بعد 61 سنة معا، مسكت بيدي ببساطة، وزفرت.
بالرغم من أن هناك أوقاتا أعطي فيها أي شيء لأستعيدها.
ولكني سعيد بأنها ذهبت أولا.
كانت خسارتها مثل أن تكون مشقوقا من المنتصف. 
كانت اللحظة التي إنتهى فيها كل شيء بالنسبة لي،
وما كنت لأريدها أن تعيش هذه التجربة.
أن تكون الناجي شعور مقرف.
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s