عقد الطفولة

للأطفال غد يجب أن نعده له

للأطفال غد يجب أن نعدهم له

من الملاحظة المجردة لما حولك، يرافقها بعض من التفكير البناء،

قد يتبين معك أمورا كنت تحسبها من مسلمات الحياة التي لا نقاش فيها.

وهذا التأمل يعتبر طريقة جيدة لفهم الحياة وإتخاذ المواقف ورص المبادئ.

يقول الأديب الفرنسي فيكتور هيوغو: “الإنسان الغارق في أفكاره ليس كسولا، فهناك عمل يرى وعمل لا يرى.”

وبذلك، تؤثر بنا أشكال مختلفة في الحياة، لما نراه فيها من إرتباط وثيق بواقع معاش منذ عقود طوال مرت على مجتمعاتنا.

فمثلا، أن تسمع عن نظام حاكم يرهب شعبه حتى الصمت، ويدوس بحذائه على جثثهم حتى التشفي.

أو رب عمل يهين موظفيه بكل تسلط و”أحقية”،

أو أن ترى مدرسا يشتم تلاميذه بكل راحة وأريحية،

أو أبا يوقف سيارته لينهال ضربا على إبنيه لأنهما دخلا بمجادلة لم تنتهي فوصلت للعراك بالأيدي —

يضرب هو حتى يتوقفا هما عن الضرب،

أو عندما ترى أما تصرخ على طفلها في السوق —

تصرخ هي حتى يسكت هو.

عندها قد تجترأ استنتاجا ما:

أن ما ابتدأنا به ننتهي إليه،

وبين النقطتين، نحن نعيش في متاهة مظلمة…من اللاحب.

مشكلتي الحالية ليست مع سلطة الدولة،

فأنا لا أناقش بالسياسة إلا حين أستفز لدخول حوار،

أو حين أرغب في سماع صوت لرأيي عوضا عن أصوات المجادلين ممن حولي؛

فأغلب الجدل عقيم.

مشكلتي الحالية هي مع المنزل،

المنظومة الأولى للمجتمع، وأول ما يتعرف عليه الأبناء في حياتهم من رمز للسلطة ومصدر للقوانين.

بداية، المعروف أن أغلب الآباء والأمهات بالعموم يكنون لأبنائهم الحب العميق – فهم جزء منهم،

ويضعون مصلحتهم نصب أعينهم.

وهم هدفهم النبيل، ورسالتهم التي يسعون لإيصالها لشاطىء آمن.

ولكنني مما لاحظت وقدرت، أن أغلب الآباء والأمهات المحبين لا يتعاملون بصورة صحية صحيحة مع أبنائهم، بجميع الأعمار وبدرجات مختلفة.

بل لا يحاولون أقل محاولة ليرقوا إلى التعامل الكريم.

فأسلوب الإهانة، سواء بفعل جسماني أو بكلمة ملفوظة، هو من “العادي” في مجتمعنا.

إن من أسوأ وأبشع ما رأيت في حياتي هو منظر ينم عن تحقير لطفل ما وإنزال لقدره؛

بالسخرية منه،

بقمعه المستمر،

بنقده الدائم،

بعدم تشجيعه على خوض غمار الحياة، بل إحباطه عنها بطريقة مباشرة وغير مباشرة،

بعدم تنمية مواهبه وصقل مهاراته وتحفيزه على ميوله،

بتخويفه وإرهابه،

بعدم إعطائه فرصة ليقرر بنفسه،

وهلم جرا.

نتيجة، هذا يخلق نفسا ضعيفة، تعتقد أنها غير قادرة على أداء أي شيء بطريقة صحيحة؛

نفس مزعزعة، فاقدة القدرة على الثقة بالآخرين والتواصل معهم،

بحيث يبقى الآخرون أخرين، أعداء محتملون حتى يثبت العكس —

فكيف لها أن تثق بالخارج في حين أن الداخل عمليا قد خانها؟

شخصية فاقدة القدرة على التعبير عن نفسها وإحترام ذاتها،

لا تعرف قيمتها وحقوقها الإجتماعية —

فكيف تعرف الإحترام والحقوق والأقربون منها نزعوها عنها؟

وبالنهاية هي شخصية كتب عليها أن تعاني على مدى حياتها.

وقد لا تخلق هذه الخلطة (بالضرورة) شخصيات فاشلة بالحياة،

قد تكون من أنجح الموجودين حولنا،

ولكنها تكون عرضة للأزمات النفسية أكثر من غيرها.

وقد تعيش على هوامش الحياة وهي في خضمها،

وقد توقع اللوم الباطني على من مدوا سلالتهم بها،

ليصبح بيت أبي العلاء المعري الشهير الذي كتب على شاهد قبره شعارها.

وتبقى بهذا مكبلة بقيود نشأتها، وهواجس ماضيها —

“عقد الطفولة”، كما نطلق عليها مازحين.

لا نقلل من كفاح الآباء والأمهات في مطحنة الحياة اليومية، وعوامل أخرى كنشأتهم السابقة هم أنفسهم،

ولا نقول أن أبناءهم ملائكة لا يستحقون إلا التصفيق على طاعتهم العمياء.

ولكن أيا من ذلك لا يبرر قسوة مجحفة تؤدي إلى إنهزامية تعيسة.

فكما تقول الروائية الإنغليزية ماري آن إيفانز: “هي دائما تبقى حقيقة أننا لو كنا أعظم، لكانت الظروف أقل قوة علينا.”

ومن ثم، كيف يتوقع أولياء الأمر أن ينزل الأبناء عند أوامرهم مهما بلغت من تهميش وإستحقار لشخصهم؟

هم لم يصنعوا آلات ملصقة بعلبتها أجهزة للتحكم عن بعد؛ فحتى الأطفال لهم شخصية ورأي تستحق الإحترام والمراعاة.

وإن سمعوا الأبناء الآباء، فهل يسمع الآباء الأبناء؟

لست خبيرة تربية، أو أما لأحد. ولكني إنسانة، وإبنة لإثنين أطال الله بعمرهما.

وبذلك، اسمحوا لي أن أقول ببساطة:

أن ما يحتاجه الأبناء هو تفهم الأهالي المطلق لحاجاتهم،

القبول بهم من غير إنتقاد وتجريح،

إحترامهم فكرا وشخصا،

إستثمار قدراتهم،

التعامل معهم بحب مطلق وغير مشروط بظروف ما، بخيارات ما، بإنجازات ما.

المعاملة الحسنة من غير إهانة مهما صغرت أو صغروا،

الحرية في الخيار والتعبير عن الرأي.

فهذا من حقه أن يكفل بناء أشخاص محفوظة كرامتهم منذ الصغر،

قادرون على بناء أمة تحافظ على كرامتها عند الكبر.

فالعزة تبدأ من المنزل،

والكرامة تغرز منذ الصغر، بالفعل قبل القول،

وصيانة الحقوق تبدأ من تلك البؤرة.

فحتى لا يكون بيننا دكتاتور وظالم نسمح له بركوبنا واستعبادنا بسهولة المدًّرب،

وحتى لا يبقى بيننا مستعبد ومظلوم (بالجملة)،

وحتى نكون من القادة والأوائل كشعوب موحدة،

يجب أن نشعر بالإنجاز والإمتلاء الفردي،

يجب أن يوجد حب في المنزل.

عندها فقط، قد يدور علينا الزمان لإسترداد ما غاب عنا منذ زمن،

ألا وهو قيمتنا.

مقتطف من رواية "بطل هذا الزمان" لميخائيل ليرمانتوف:
حين ذهبت شعرت بقلبي يغص بحزن فظيع.
أهو القدر جمعنا ثانية في القفقاس،
أم أنها جاءت عمدا إلى هنا وهي تعرف أنها ستلتقي بي؟
وكيف سيكون لقاؤنا؟ ثم أهي هي حقا؟
إن حدسي لا يخدعني أبدا.
لا أحد في العالم يسيطر عليه الماضي كما يسيطر علي.
إن أي تذكير بحزن أو فرح مضى،
يصدم روحي صدما مؤلما وينتزع من أعماقها الأصوات نفسها،
هكذا خلقت: لا أنسى شيئا...لا أنسى شيئا!
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to عقد الطفولة

  1. marsheee كتب:

    عجبتني المقالة جدا! ومعك كل الحق في قولك أن الأم والأب هم المسؤولين عن تحديد حالة طفلهم العاطفية حين يبلغون أشدهم. للأسف هذه الأيام الآباء يقولون أشياء مهينة لأولادهم ويخفضون احساس ثقة النفس عند الطفل بطرق لاتعد والطفل يمتص كل شيء وكما قلت يكبر ليكون أكثر عرضة للخطر عاطفيا وإن كان ناجحا في حياته.

    وقراءة مقالك أكدت لي المسؤولية العظمى التي تأتي مع كون الشخص ولي أمر. ولا أقصد مسؤولية التنظيف والطبخ وتغيير الحفاظات. ولكن مسؤولية بناء شخصية إنسان من لا شيء ليكون صحي عاطفيا. وأن أي شيء تفعله كوالد يمكن أن يؤدي إلى طفل معاق عاطفيا، وتكون أنت الملوم…

  2. محمد كتب:

    كلام جميل .. ويكون أجمل لو كان عليه شواهد من القران والسنة النبوية الشريفة .. ففيهما أعظم التوجيهات نحو حفظ كرامة الانسان صغيرا كان ام كبيرا, ذكرا ام انثى لا فرق.. بل ونجد فيهما توجيهات للشفقة على الحيوان . عموما , أحب أن أعقب على الموضوع, بالاشارة إلى ناحية أخرى أرى أن فيها امتدادا لما تشعر به الكاتبة, وهو أن الأبناء حين يكبرون ينسون الالام التي صاحبت اللحظات الصعبة في طفولتهم وتصبح بالنسبة اليهم مجرد ذكريات يتذكرونها ويضحكون, ويتبدل أحساسهم تجاه والديهم إلى احساس بالتفهم والاعتذار لهم ولما صدر عنهم كونهم كانوا يعانون من الضغوط المختلفة, كما ويتبدل احساسهم إلى احساس بالامتنان تجاه ما قدموه, فيعذرونهم عن ما قصروا فيه, ويتذكرون لهم ما احسنوا فيه, ومع ذلك يبذلون جهدهم كي يحسنوا اليهم في ايامهم الاخيرة في هذه الدنيا, فالحمد لله الذي خلق فينا نعمة النسيان, والحمد لله الذي أمرنا بالصفح والعفو, والحمد لله الذي أمرنا ببر الوالدين, فنحن وإن كنا أطفال الأمس, فاليوم غدونا في موقع الوالدين, واليوم يستوجب حصاد ما زرعناه في امسنا, إن خيرا فالحمد لله, وإن كان غير ذلك فلا نلومن إلا انفسنا. وليس ما سبق هو تبرير لاهانة الاطفال ولا للتعامل الغير الانساني الذي يعانيه الكثير منهم في زماننا, ولكنها دعوة للصفح عن ما مضى, وللاحسان في ما يستقبلنا. اللهم وفقنا وجميع المسلمين كي نكون أحسن الاباء لأحسن الابناء

    • محمد، أجل، مهم للإنسان أن يراعي والديه عند كبرهما. وإن استطاع فعليا تخطي “عقده” من الطفولة، سيتسامح مع الأخطاء المرتكبة بحقه لأي سبب كان، ولن يلحق الضرر نفسه بأطفاله تباعا. وتصبح الأمور بعدها سائرة للأحسن.
      شكرا جزيلا على التعليق. وآمين 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s