وعام مضى

كبوابة عمر، نغلق عام، ونفتح آخر

كبوابة للزمن، ننهي عام ونبتدأ آخر

لا شك في أن العام الميلادي المنصرم كان رائعا بغرابته،

بكل ما يحمله الوصف من معنى.

فالأحداث التي جرت به تشبه السوابق التاريخية على هذه الأمة.

ونحن كأجيال بمختلف أعمارنا نشعر بفخر ما (كما أحسب في تعميمي) كوننا عاصرنا هذا العام،

فالمؤكد أنه يمثل حقبة تاريخية من الناحية السياسية والشعبية،

وأن الكتب البحثية والسردية ستمتلئ بما امتلأت به أيامنا التي انتهت، ولم تنتهي بعد.

فالثورات منها ما تم مبدئيا بإسقاط أنظمة أقل ما يقال عنها مهترءة،

ومنها مازالت في خضم المعركة، والتي ستؤول علينا بالنصر القريب بإذن الله.

وعموما، ثوراتنا لم تكتمل بعد.

فكما قال المفكر الفلسطيني عزمي بشارة،

أن الهدف من الثورة ليس الإنقلاب على الإستبداد فحسب – بل إستبداله بنظام ديمقراطي.

لذا نحن سنبقى في عهد الثورة لفترة من زمن قد يطول.

ولا عجلة؛

فبلداننا تحتاج أن تثبت على أسس صحيحة، ننطلق منها إلى إصلاح ذواتنا وإعمار أرضنا والرقي بأمتنا.

بالمثل، وهو ما يعتبر من النتائج الإيجابية لهذا العام،

أن ثوراتنا المباركة أوضحت الفرق بين الخلق.

بين من كنا نظن أنه بصفنا ومعنا،

وأننا جميعا بخندق واحد؛

بين من حُسبوا علينا، ونطقوا بلساننا،

و”حاربوا” من أجل قضيانا؛

بين أولئك، وبيننا.

وليس على الواجهة الإعلامية فقط –

حيث رأينا من الشخصيات البارزة الكثير ممن برزوا بوجه أوضح هذه المرة؛

وليس بين رجالات القرار فقط –

ممن قد تضحك على لحظة آمنت بها بهم وبخيرهم – تضحك على جهلك السابق؛

بل بين أفراد المجتمع العاديين،

الأشخاص الذين قد تكون عرفتهم بمشوار حياتك، في مجال الدراسة أو العمل أو المعرفة الشخصية.

أظهرت لك الثورات مدى إختلافهم في إنتمائهم،

التي إن إشارت ستشير إلى ضلالية في التفكير، وغمامية في الإبصار.

وقد تتفاجأ أحيانا، كما تفاجأت شخصيا،

بالدرجة التي وصل إليها بعضهم من فقدان لبوصلتهم الأخلاقية،

وخنق لضمائرهم التي تحسب أنها كانت موجودة،

من أجل إتباع أبواق جوفاء لمواقف عوجاء.

ولكنها الحياة وتجاربها،

ونحن لا نملك إلا تقبلها بصدر رحب؛

وضعها في الأرشيف للرجوع لها حين الحاجة، والمضي قدما.

أما على النطاق الشخصي،

فقد كان 2011 عاما مثقلا بالأحداث بالنسبة لي.

فأحد أهم أحلامي المركزية قد تحققت، وحصدت ثماره مؤخرا.

ولم تكن شهادتي العلمية إنجازي الوحيد،

بل ما عشته في رحلتي من حياة في بلد جديد،

بين أناس جدد، منهم من ارتأيتهم أصدقاء لي أفخر بمعرفتهم.

وما اكتشفته عن نفسي من نقاط ضعف وقوة.

من إعادة ترتيب ما هو مهم في حياتي، أولويات وثانويات،

ومن أمور غفلت عنها طويلا،

واعتقدت أن نصيبي معها أن تبقى مهملة، بلا حل،

فاهتممت بها وعالجتها بقدر ما استطعت.

ومن إستنتاجات لم أدري لما لم تطرأ لي سابقا،

وهي واضحة وبسيطة؛

ولكن إختلاف المكان والتعرض لمصادر أفكار مغايرة توسع أفقك وتجعلك أكثر تقبلا للبدائل والإحتمالات.

ومن مواقف وضعت نفسي فيها بإختياري، وهي لم تكن تحتاج كل ذلك الجهد والتعب،

فخرجت منها بإختياري أيضا.

ومن إزدياد قربي من أناس يسعدني معشرهم،

وفوق القرب قربا بأناس آخرين أعتبرهم جواهر نفيسة لا غنى لي عنهم،

وبعدي عن غيرهم ممن أعتبرهم دوامات لسحب الطاقة، والبشر كنتيجة،

وذلك إحتراما لنفسي.

فأنا أؤمن بالنهاية أن من ترافقه يحكم عليك به، ويؤثر عليك إيجابا أو سلبا،

كما أؤمن أن حتى بين الأخيار – الفئة الطيبة من البشر – هناك درجات وأطياف.

منهم من يزيد حياتك إشراقا، ومنهم من يأخذ منها ضوءها.

وبالنهاية، نحن نتعاطى مع البشر بالحسنى، ونتعامل مع أنفسنا بمحبة،

وذلك بإنفتاحنا على أشخاص معينين، وفرض حدودنا على غيرهم.

إضافة، لم يخلى هذا العام من أوقات حزينة وصعبة.

فالثورات قد خلفت فتنة لم تهدأ إلى الآن،

ودماء الأطهار تنزف حتى الآن،

والخوف واللامبالاة واللااستقرار،

والزلازل والفيضانات والتهديد النووي والحربي،

وآلام الناس من حولي،

وآلامي الشخصية.

لكن كما يقال،

“بالطول، بالعرض”،

ها هو عام مضى.

عشناه الأحياء منا من بدايته حتى نهايته،

وعشنا تغيرات واقعنا فيه.

وحتى ننهي صفحتنا معه،

ندعو الله أن يتقبل منا صالحاتنا،

ويغفر لنا زلاتنا،

وأن يشفى مرضانا،

ويتقبل شهداءنا،

ويفرج همنا،

ويحقق الأمن والأمان والحرية في بلداننا.

ويحيينا في العام القادم (إن كانت الحياة خير لنا)،

لنشهد خيرا يعم علينا جميعا،

ورضا يلفنا،

وأملا لا يرحل عنا أبدا،

وأماني تتحقق ولا تنتهي.

لنكتب: بسم الله، بداية جديدة.

مقتطف من رواية  "السيدة من تل أبيب" لربعي المدهون:
ألقي بحقيبة الكتف الصغيرة على الرف.
أتخذ مكاني في المقعد B في الصف رقم 19،
في طائرة الخطوط الجوية البريطانية،
في الرحلة رقم 153 إلى مطار تل أبيب.
من المتوقع أن تهبط الطائرة في السابعة صباحا بالتوقيت المحلي.
لم يعد يشغلني قلق أمي وشكها في حقيقة عودتي.
فكلاهما بدأ يتحول إلى انتظار تذوب ساعاته
في الليل الآخذ في الابتعاد في ليله.
ولا بد أنها تستسلم، الآن،
لنوم متقلب مثل مشاعرها...
سأكون عند أمي في الصباح...
ونجلس إلى طبلية الطعام.
ثمانية وثلاثون عاما ونحن نحلم،
منفردين، أن نجلس ونتناول فطورنا معا.
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s