جارة الجنة

أمي - فكرة وعبرة

أمي - فكرة وعبرة

عيناه مغلقتان عن الدنيا،

ظلام دامس في محيط داخلي،

وغذاء روحاني يأتيه من خلال أنبوب متصل بغشاء هو شريان حياة؛

مشيمة لا إفتراض فيها.

ليس سجينا تم إعتقاله شبهة (ولكن تربصا) على أرض محتلة ليست بأرضه ولا بأرضهم،

ليس ناسكا متعبدا في جبال يكسوها البياض أو صحاري تغليها الشمس،

وليس النبي يونس في بطن الحوت،

متصبرا موقنا لعل حاضره يولي، لعل غداه يأتي،

بل هو خلق جديد.

تجده في الصور النافذة لجدارن حاضنته يسبح في سائل هلامي كثيف،

وتسمع دقات قلبه (لب-دب، لب-دب) عبر الموجات الفوق صوتية،

ليتم التأكد انه هناك حقا –

ليس حلما، ليس وهما، ليس فقاعات أمل زائف.

جنين، ليس إلا.

بمعجزة ما تكون، إن وصفت، فوصفها أبلغ ما يكون هنا:

“ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين” (آية 14، سورة المؤمنون)

يسكن رحم أمه ل 9 أشهر، بلا مأوى آخر يحويه، أو يرضيه؛

فهو لم يؤجر ذلك البيت عبثا.

بأفضل أحواله الآن وهناك – أفضل أحواله على الإطلاق.

دفء يلفه، صيفا شتاء.

بلا غطاء يكسو جلده، الدفء هو ما يحتاجه تماما.

حددت فترة إقامته، كأنها فترة نقاهة مدفوعة مقدما لموعده مع الغد.

ينام بلا إعياء أو تعب سابق،

كمخلوفات النور، كحور العين.

ينام مدثرا لحاف الأمان،

في أحشاء جارة الجنة.

أما حاملته فتعاني الأمرين.

ومن ثم تأتي لحظة الولادة – مر ثالث.

ولكنها أكثر الأمور المرة ألما…وحلاوة عند الزفرة الأخيرة.

فلم يأت من فراغ قول أن الولادة هي أقرب ما يكون للموت.

ومع هذا فإن قطع الحبل السري ليست إلا أولى خطوات الطريق،

لروح صغيرة، بحجم الدنيا.

وتبدأ حياة خرجت من حياة، ويبتسم الجميع في أكثر الأحداث تميزا على الإطلاق.

أما كل ما يلحق…فهو مجرد روتين.

حدثت لي حادثة مشابهة، لا أتذكرها شخصيا، ولكن رويت لي مرارا:

ولدت بحبل ملفوف على رقبتي.

لا أدري لما، سوى أني كنت كثيرة الحركة في الداخل،

كثيرة الصخب في الخارج.

فأمي حفظها الله أتت بي لهذه الدنيا من دون نية مسبقة؛ كانت ستكتفي بعدد أقل.

أما مجيئي فكان “هبة” من الله تعالى –

ولا أقصد أن أزكي نفسي على أحد،

ولكن يقال أن البنين هم رزق إلهي ويأتون بقدر معلوم،

وأحسب ان أهلي يحمدون الله علي…أحيانا.

فكما أفسدت على أمي حميتها بمجيئي المفاجئ، عكرت صفوها كثيرا على مر السنين.

ولكنها تتقبلني كما أنا، وتسامحني عليه – وكم نحتاج جميعا لمثل هذا التعاطف.

بالنسبة لي، أمي هي الشخص الذي أشعر بوجوده أن العالم بخير مهما ساءت أحواله.

منحة من الله، ليس إلا.

كإنسانة، لها الكثير من الإنجازات التي تفخر (ونفخر نحن) بها.

فهي فلسطينية من فلسطين، من مواليد خيام النكبة،

ولذا كتب عليها الكفاح منذ البداية.

محبة للعلم؛ لم يستحقه أحد أكثر منها.

ولمعرفة أبيها بهذه الحقيقة، عمل ما بوسعه لكي تحقق حلمها بتحصيل شهادة جامعية من الخارج،

وهي كلمة بحق جدي رحمه الله – رجل ذو عقلية سابقة لعصره وزمانه.

تميزها جعلها محط أنظار الجميع، ولكن لم يوقفها ذلك لحظة عن شق طريقها المكتوب.

إنخرطت في مجال التدريس، ولم تكن عليها سهلة تلك الغربة المكررة، كما أتخيل.

ولكن كان لها موعد مع القدر –

إلتقت أبي، تزوجته رغم الظروف،

أنجبتنا، وبدأت رحلة أخرى معنا.

شكرت الله على نعمة الأولاد بأن ربتنا خير تربية.

فهي لم تحرمنا يوما،

ورحمتنا دوما.

حتى في أحلك ظروفها وظروفنا،

عقلها كان مشغول بنا، وقلبها كان يردد دعاء كطوق لحمايتنا.

وعندما كبرنا، ولم نعد بحاجة لمن يمسك بيدنا مخافة أن نقع،

كانت دوما حاضرة لتشد من أزرنا،

فهي أعلم بأن وقوع البالغ يكون أحيانا أكثر ألما وأصعب نسيانا من وقوع الطفل.

كالجبال، تتحمل بلا كلل أو ملل.

تحمل على كتفيها مشاكلنا، كأنها بلا هموم،

وتتحمل رعونتنا وخطبنا الصبيانية، بنظرة حانية كأننا لم نعقل بعد – لم نملك زمام الحكمة بعد.

كالنبع الذي لا ينضب حنانا، أمي تهتم بالجميع،

وفي قلبها مساحة آخذة في التمدد لتشمل كل فرد جديد –

حفيد أو نسيب.

تجد حبها في طعام تحضره، أو مكالمة تصلنا منها، أو دفاع ترميه بصفنا.

مسالمة بطبيعتها، مسايرة لظروف الحياة بلا تأفف ظاهر.

هي عاطفة صرفة، وعقل حكيم، وصبر لامحدود مجموعة في كيان واحد.

كأن وظيفتها أن تحب هذا وتراعي ذاك،

كأنها بذلك تجعلنا جميعا أكثر رضا عن أنفسنا؛ تجعل حياتنا أسهل.

وكالأنسجة الرابطة في الجسم الواحد، وبلا تصنع أو تكلف،

أمي هي حقا من تجمعنا كعائلة.

كأننا لم نخرج يوما من بطنها، وجودها بيننا جعل حياتنا أقرب لجنة من دنيا.

لم يكن قليلا على من مثل أمي أن تصبح الجنة بمحاذاتها، عند قدمها،

تصبح لها جارة أمنت على مفتاحها،

قد نستعيده يوما لندخلها بحسناتنا فاتحين، بعد وصولنا من سفر الدنيا.

لم يكن قليلا على من مثل أمي أن تملك الدنيا وإن نقصت عليها أمورا لهنأت أكثر بحصولها عليها،

فإيمانها القوي هو ما يحركها على الدوام.

فأدعو الله أن يثبتها على هذا الإيمان،

وأن يرضيها في الدنيا، ويتمم عليها الرضا في الفردوس الأعلى بعد عمر طويل،

وأن يسدد خطاها، وخطانا من أجلها،

وأن نكون لها كما تتمنى وأفضل.

لك يا أمي –

لن أوفيك حقك أبدا، ولكن لعلي بمراقبتك أصبح يوما مثلك…

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s