مشاهد وورق

اختر الوجه الذي تريد أن تلعب فيه دورك

اختر الوجه الذي تريد أن تلعب فيه دورك

بعض الناس من يلبس قناعا من السماكة بحيث لا ترى فيه منهم سوى شخصية مبهرجة – جذابة للخارج، مدمرة للداخل. بعض الناس من أصاب وجهها تشويه وإستقامتها عيوب فلبست قناع تنشد فيه حرية ما. بعض الناس من يحاول لملمة ذاته والتخلص من ماضيه فلبس قناعا يخفيه من أعين المتطفلين. بعض الناس من تحمي غيرها، فلبست قناعا تسأل منه قوة ضد الخطوب. وكلنا كأوراق الشدة؛ كلنا لنا دور في لعبة ما.

مشهد – 1 –
في الشقة الأولى من جهة السماء، تنتظر مترقبة لحظة شفاء من مرض دام عمرا. تعافت منه في أوقات متعددة، ولكن ما لبثت أن انتكست، وعاد مؤخرا ليطول زمنا. غابت ألوانها، فتهيأت للحظة مناسبة حتى تعالج نفسها…لثوان، ثم تشعر بتحسن دهرا. ولكن كما هو الواقع، حين جاءت تلك اللحظة لم تكن كما أرادت وتخيلت؛ بل كانت العكس تماما. حينها فاقت من غيبوبة أحلامها – فقد تم رفضها، من أقرب الناس لها…أو ما شابه.

بانسياب الزئبق تشغل مساحة أخرى، وتتأمل طفلتين لدقائق معدودة وهما تتحدثان وتلعبان، علها تجد بوجهيهما معنى لما جرى لها. انتابها شعور، ثم لا شيء.
تنتقل إلى الأعلى لتفتح بابا حارسه قفل أخضر؛ معها مفتاحا ما…وأخيرا. تطل من خلاله إلى الأسفل حيث مشهد آخر حاضرا أمامها، وهي جزء منه. ولكن من الأعلى وعن بعد، هي مجرد مشاهد. ترنو إليهم بحزن وضعف. أيعقل بعد كسر قلبها أن يطحن الفتات؟
ولما لا؟
قدر، ومَضحكة…
كالجوكر تماما.
فهي تكره المحاضرات، تكره الإهانات، وحتما تكره السخافات…كالظلم مثلا.
غار جرحها في عمقه السحيق استعدادا للحظة الموعودة،
ولكنه جرح ممعن في يأسه ولم يصل لمنتهاه بعد.

مشهد – 2 –
في الأسفل حيث الطريق العام، يصرخان ببعضهما البعض كأن الشارع ملكهما، ولا ملك لهما سوى بؤس قديم. شعور دفن في قبر تم نصبه خداعا فوق الأرض، تأتي نسمة الربيع خفيفة لتزيل التراب الضحل من فوقه، فتصعد حمم الغضب التي تغلي في القلوب، كاشفة عن وجهها الحقيقي. ويزداد شرخ العمر إتساعا حتى يغطي المسافة بين الصوتين.

رجلان،
أحدهما – كالتهمة – بعمر أب الآخر.
شيخ وشاب.
رموز متشابهة، مجرد صور على ورق.
لا يشعران بمن حولهما؛ لا نظرات المحرجين من وجودهم في المكان صدفة، لا دموع متألمين لطالما وجدوا كجزء من الصورة – بدعوى القدر، لا تضرعات من يتوسط تسكينا لأجواء شحنت مضيعة للشحنة.
فالخلاف وصل أبشع صوره مرة أخرى؛ الجراح تقرحت مرة أخرى.

هل ستقع عليهما رحمة الله يوما فيندما على فعلهما؟
في تلك اللحظة، لا يهم.
كلام كثير قيل، كلمات خرجت بالألسنة الهوجاء، واستقرت كالخناجر في الصدور.
يذهب الشاب في سبيله، وذكريات الماضي تهز كيانه؛ لا حل أمامه سوى أن يبتعد، آسفا على محاولات إستمالة رضا بعيد المنال. أليس كان أفضل لو يئس مسبقا من الوصول للمستحيل؟ أليس من الأفضل أن ينسى رحمة وصلحا ممن اقتص منه لأنه لم يكن كما أراده؟
ترافق الشيخ أعصابه المكهربة وحقده النافذ – سيرا على الأقدام. هاجس واحد يسيطر على عقله: “هذا يعني الحرب.”
يركب في سيارة لا لون لها، يطمئن أنه يجلس في المقعد الأمامي. ولا مقود أمامه، ولكنه كذلك يسكره الوهم بأن قيادة الجميع هي وظيفته وإمتيازه.

مشهد – 3 –
في المقعد الخلفي تجلس كالملكة، والدموع تخنق كلماتها، وكلماتها تخنقها. لا تريد الذهاب، ليس بعد الآن. ولكنها لا تملك أمر نفسها اليوم. بالرغم من سعادتها في الصباح، إلا أن حر الظهر قد أتى ليبخر حماستها – فلا أحد معصوم من تقلب الوقت، من ظلمة البشر؛ صراخه المدوي وأوامره الحانقة سممت ما إعتقدتها لحظات مباركة.

تحدثها نفسها، كيف له أن يقتل الفرحة بنفسها؟ يستهين بمشاعرها؟ بعد سنين طوال أفنت عمرها تتحمل صعوبته، كيف له أن لا يراعي إبتسامة فاهها وإحمرار عينيها؟

تقف في صالة كبيرة، وحدها، تتمنى لو أن بمقدورها أن تمحي اللحظات القليلة الماضية، حتى تبدأ أيامها القادمة بخير وسلام. لم يحصل لها ما تريد – لا تستطيع أن تغير الثابت والمكابر. تصعد سلما يرقى بها إلى السماء، حيث عرش الرحمن. تغرق بأدعية قد تكون الحل.
تنظر أمامها، لا ترى شيئا…سوى ورق متطاير (شيخ، شاب، جوكر؛ شيخ، شاب، جوكر)، وسحب قاتمة. تستمر بطلب المعونة، شيئا فشيء تبتعد عنها همومها. شيئا فشيء تبتعد عن همومها.

– نهاية –
لتبقى كتاباتنا أكثر رومانسية من واقعنا…

  مقتطف من "غراميات مرحة" لميلان كونديرا: 
 من أين جاءته هذه النزوة؟ فسواء أكان واعيا بها أم لم يكن،
 فقد واتته فرصة فريدة: فالزائرة تمثل بالنسبة إليه كل ما
 لم يتمكن من نيله، كل ما أفلت منه، كل ما فاته، كل ما يجعل
 سنه الحالي لا تطاق، بشعره الذي بدأ يتساقط، وبهذه الحصيلة
 الفارغة المثيرة للشفقة. وسواء أكان واعيا بذلك أو كان مرتابا
 به على نحو غامض، ففي إمكانه الآن أن ينزع المعنى عن كل هذه
 المباهج التي طالما حرم منها (والتي كانت ألوانها المتألقة
 تجعل حياته بلا لون على نحو ميؤوس).
 لقد صار بوسعه أن يكتشف أنها كانت سخيفة، وأنها لم تكن
 غير خداع ودناءة، لم تكن غير غبار متطاير، وأن بإمكانه أن
 ينتقم منها، وأن يذلها ويدمرها.
Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s