ذاكرة مخروقة

ذكرى تلاحقنا، تحيرنا، ولا تتركنا

ذكرى تلاحقنا، تحيرنا، ولا تتركنا

واقفا على واجهة محل، أراه منغمسا بحديث ما، بكلام لا قيمة له كما أتخيل – فهو لم يحمل مكبر صوت ولم يهمس أيضا.

معطيا جانبه الأيمن للشارع، متلحفا الزراق: بنطال وقميص، ولم يكن حافي القدمين.

كاميرا وعيون مسلطة عليه، لتصور شخصه الكريم. لف تبغه بورقة، ثم نفث كالتنين من صنيعته – نفث بعضا مما يربض على صدره بنية خنقه.

شبهته بآخر من ذاكرتي، أعتقدته هو. ولكن هذا من المستحيل، فالآخر قد مات…أخيرا.

والمشكلة مع الموت أنه لا يأخذ منك ذاكرتك؛ فلو فعل لكان إنتظارك أسهل.

بل يعززها وبزخم – تصبح هي كل ما تملك. سواء أأنت من أُنزل أولا إلى حفرة بمقاس كفنك، أم أنك تركت بِنَفَس وهم رحلوا عنك…

أما هم، هما، هو – فلم يحدث أن تعطش لذاكرة جديدة كما في هذه الأيام. لم يحدث أن ترك نفسه خلفه وركض إلى الوراء متمنيا أحداثا تغير من شكل ماضيه تماما، بحيث يصبح بلا وجود أو أهمية تماما.

فهو يملك ذاكرة بحجم فيل أسيوي. بني اللون، بخرطوم طويل يتناثر منه ماء مر الطعم.

من إمتداد محيطه لا يلاحظ حقيقة محيطه؛ لا يوقن سوى ما هو عليه وما يؤمن به. قد يكون خدعة تم خداعها، ولكن ذلك هو كما هو.

ينتقي ذكرياته. فعقله كالمنخل، بل كالإسفنجة المتمردة على طبيعتها: يسرب الكثير، ويحتفظ بحفنة، وليس ما يختزنه ضرورة بالنخبة.

لكن ما بحافظته حمل ثقيل، يجعل رأسه يئن ويطن بصداع نافذ كنحلة الليل؛

صداع يحاصره بمعابر لا تمر منها نسمة هواء، ولا يتراجع عنه إلا عندما يبني أنفاق ينفذ منها. يتجاهله، يتناساه. فقط عندها لا يحس بما يتربع أعلى رأسه كتاج بلاستيكي وملك زائف.

ذاكرته تهدده دوما؛ تبتزه كالطفيلي الفضولي بما تعرفه عنه، بما تقدر أن تنشره على وجهه عرضة لأحكام الملأ – حوادث قاهرة تصوب بها على رأسه بسلاح غير مرخص من نوع أمريكي رخيص، ووجهها ساخر متشكك. كأن تاريخه الشخصي لعبة أطفال يتم رميها أرضا بلا إكتراث، أو مسرحية تنتظر تقديرات النقاد ليثبت أحقيتها بالنجومية والشهرة.

لم يسطر ذاكرته يوما في كتاب مفتوح، فلطالما كانت كالمجلد الصغير، المقفل في علبة زجاجية لا يفتحها العامة.

عندما يستعيد بدون شعور مقاطع مخزنة في مخيلته، يتأمل ما مر عليه من أحداث، أكثرها أصابته بخيبة الأمل لا تنتهي لإتصالها بما يحدث في حاضره.

فبعض الملامح تحرقه؛ النظر إليها يحرق عينيه. وبعض الكلمات تعذبه؛ قراءتها تعكر صفو يومه. وبعض الإختيارات تعنيه؛ الإصطدام بها هو تدخل قدري وإبتلاء وجودي يحاول النجاة منه لساعتنا هذه.

ولكن ليس كل ما يشغل عقله يملأ ذاكرته، أو حتى يهمه بالضرورة. فمشاعره (المحببة أو البغيضة) تضل طريقها في متاهة عقله، حتى تصل إلى الحصين. فبالنهاية، عقله هو ما يملك زمام أمره، لأن مشاعره تلخبط كيانه.

لم يعرف يوما كيف يتعامل مع حقيقة مغايرة، واقع مغاير، عن ما ملك بأحلامه.

لم يدري كيف له أن يتمنى النسيان، حتى الخرف. ومن ثم يعود إلى نقطة البداية حيث كل شيء جديد وعصي على الزمن، حتى يقال عنه لا-إنسان.

كان صغيرا يوما، لا محالة. حينها ذهب حبوا إلى أبواب تفتح له على مصرعيها، ولكنه لا يدري إن كان سنه قد كبر على ذاكرة مخروقة. لا يدري ماذا تحمل، لا يدري بماذا إحتفظ وعن ماذا تخلى. وإن كان يملك سرابا لا أكثر. ويرى نفسه سرابا.

الآن هو يتشبث بذاكرته – ففيها وطنه، فيها تاريخ رحلته، وفيها مستقبله.

لن يرحل عن مكنونات نفسه، لن يرحل عن نجاحاته، وخصوصا عن خيبات أمله.

سيكون كما هو – تماما كما خط لنفسه طريقه،

فلا حاجة له لحطام الماضي، وكلمة “لو”.

وقد يكتب سيرة جديدة لذاته، تتعدى لحظاته، تتعدى نفسه،

لتسبح ذاكرته لما بعد أيامه، لمن يأتي خلفه بعد رحيله.

وعندها، قد يرتاح أخيرا.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to ذاكرة مخروقة

  1. Hasan AbuGhali كتب:

    وااااااااو , جدا رائعه يا شيماء
    اعجبتنى بصراحه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s