طقوس ليلية

كل ليلة يتسلل إلى زاوية مظلمة، ليست بظلام الغرفة، ولكن بظلام ليل صيفي. ينفرد بنفسه، منزويا عن عيون الناس، ووساوس خناس. متخفيا من النجوم والأشجار والنوافذ المضاءة، بكوفية تغطي جذعه الأعلى. لا سبب لهذا الطقس، سوى ذلك الطقس – أمر ابتدعه مؤخرا. ولا يدري لما يفعلها تماما، غير أنه يبحث عن شيء ما يخصه، يعطيه لمحة من تغيير، من حماسة، من حياة لحياته؛ حس مغامرة يأخذه بعيدا، حيث مراهقته المتأخرة، أو طفولته الضائعة. وإن كانت أماله هاهنا بسيطة، كبساطة الطيور الصامتة قبل وقت الفجر.

يحمل في قلبه الكثير، يحمل في روحه تناقضات؛ عقد، أثقال تحتكر ساعاته في بعض الأحيان. فلا يستطيع الكذب على نفسه، وإن لم يعرف من حوله بما يختلج صدره. أما أكثر ما يرهقه، فهو شعوره بالعجز. يدخل في الأجواء، ولا بأس بها من أجواء: هدوء بالمحيط، “يوفوريا” داخلية، وإنكسار عام. كلها تتداخل مع تربصه الدائم لما قد يفسد وقته. تتراءى فكرة أمامه، يجد فيها بعض من منطق وتفسير لمسيرة عمر: “لم يخلقني ربي ملاكا. فلما المغالاة بالإستقامة؟”

يستمر في تأمله. يستمر في تقهقره، أو إنسيابه؛ فمن كان يدري أن بتركه لنفسه تفعل ما تريد، ولو للحظة، سيشعر أنه خطى خطوة (بأي إتجاه كان)، وأنه وصل مكانا. تعلق رائحة أفكاره في الهواء من حوله، كـأنها تذكرة له بعدم إمكانية رحيلها عنه بنفس يطلقه أو إثنين. لا يبالي بها. يغسل يديه، يأكل شيئا، ويشرب ماء. يرش عطرا إن أمكن؛ إن لم ترحل عنه، فأقل ما يمكنها فعله أن تتنكر.

يستمر بفعل ما يريد، حتى ينزف أنفه. يبحث عن أسباب أخرى لمرضه.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s