رامي المُنْتَظَر

ومازلت أنتظر...

ومازلت أنتظر…

يوم من أيام الصيف الإعتيادي، أخرج من العمل بطريق لا أسلكه كثيرا.

صوت الراديو عالي إلى حد ما، ولكن ما أسمعه أعلى كونه حفّز نواة الشك في نفسي.

تعطلت السيارة. لا، “بنشر” العجل فقط. ولكن توقفت السيارة كلها عن التقدم للأمام. شلت تماما.

ما أن أحسست بما حدث، حتى توترت أعصابي لدرجة الغثيان.

ولا ألوم نفسي، فمكان توقفي صعب، خصوصا تحت الشمس.

أول ما خطر ببالي وفعلت، إتصالي بأخي رامي حتى يأتي. وبدأت أنتظر.

ولم أنتظر طويلا، حتى سمعت بطرق خفيف على نافذة باب الراكب.

كنت مشغولة بهاتفي المحمول، فلم أنتبه لمن أوقف سيارته خلفي وتقدم إلى الجانب اليمين حيث العجل الممزق.

فتحت النافذة. شاب سوري، أخضر العينين بلون علم الثورة المعلق على مرآة سيارته الأمامية.

“خير إن شاء الله؟”

“لا أدري، أظنه العجل.”

سألني إن كان معي عجل بديل؟ أجبت بلا.

قال: “متأكدة؟ قد أتحقق.”

قلت له بإبتسامة أعتذر وأمتن له بها، “أجل، متأكدة.”

سألني إن إتصلت على أحد، إن كان أحدهم قادم؟ قلت: “أجل – أخي سيفعل.”

شكرت له لطفه، فذهب بحال سبيله.

الثاني كان سائق باص صغير.

عندما رآني رجع بها إلى الخلف، ثم نزل. هندي بسيط، سألني ما الخطب، قلت له ما حدث.

أعطاني حل عبقري؛ قال لي: “أحمل لك العجل، أنفخه وآتي به مرة أخرى.”

شكرت له عرضه الكريم، ووقوفه لمساعدتي. ولكني أنتظر أخي، وسيأتي ومعه الحل.

لا أدري دقة ترتيب من أتى بعد ذلك، ولكن بعد من توقف ثانيا، أصبح الموضوع كوميديا.

أصبحت أمسك نفسي عن الضحك، وبدأت أفكر بكيفية الإعتذار للناس على وقتهم الذي خصصوه لمساعدتي، كفتاة في محنة.

حتى أني فكرت أن أعلق ورقة على السيارة أو أحملها بيدي تقرأ: “شكرا، استمر بالقيادة.”

ثم توقفت “هاف لوري”، فيها شابان صغيران من البدو.

نزل السائق على إستحياء. وبدون أي تعابير أو مقدمات، يسألني إن كنت أحتاج مساعدة؟

قلت، بدون أي تعابير أو مقدمات، “لا، شكرا.”

ذهب بسرعة ما أتى.

ثم أتى رجل بعمر أبي أو يصغره قليلا، من أهل البلد. يسألني كمن يعاتبني على الموقف الذي وضعت فيه.

إستند على النافذة المفتوحة: “ها، ماذا هناك؟”

شرحت له القصة. أراد المساعدة. “لا، شكرا. أخي قادم.”

أفكر وأتصل: “رامي، وينك؟”

ومن ثم توقف لي رجل من الحرس الوطني.

بكل إندفاع، لم يسمعني، ذهب يتحقق بنفسه.

“طيب، أحدهم قادم؟”

“أجل، أجل – أخي.”

“يعني أتوكل أنا؟”

“أجل أجل، الله معك. شكرا جزيلا.”

ثم ذهب.

تبعتها سيارة دفع رباعي مرتفعة، عجلاتها بإرتفاع سيارتي.

أوقفها على مقربة من وسط الشارع، كأن الشارع ومن فيه بيته.

صدق حدسي – نزل منها رجل بلباس شرطة.

واثق، كما تتطلب طبيعة عمله، يسألني أين عجل الإحتياط؟ كأنه إتهام مبطن. وأيضا ذهب بعد أن تأكد أن أحدهم قادم لنجدتي.

أصبحت حينها أحزر نفسي من سيتوقف لي من السيارات التي تعبر بجانبي.

مرت سيارة سوداء، أبطأت وهي تمشي، فتوقعت أن تتوقف. ولكنها لم تفعل.

إستمررت بإشغال نفسي، متمنية أن ينتهي هذا الكابوس وذلك الإحراج المتكرر.

نظرت إلى الأعلى، لأرى السيارة ذاتها قد لفت ورجعت لي.

نزل الراكب، سألني عن الخطب.

أصابه الهم عندما عرف أنه العجل، كأنه أراد مساعدتي ولكنه لا يعرف كيف يبدل العجل.

إختصرت عليه القلق: “لا بأس، أخي قادم، وشكرا لك.”

ذهب في سبيله.

آخرهم لم أر وجهه؛ أتى وأنا أتحدث بالهاتف مع رامي، أحاول أن أشرح له بالتفصيل أين أنا.

لاحظت سيارة متوقفة على مسافة مني، وتحاول أن ترجع إلى الوراء لتصل لي.

والغريب أن ذلك ما فعله أغلبهم، ولكن هذا بالتحديد أخذ وقتا طويلا؛

أيعقل أن السائق فتاة؟ أستبعد. الأغلب أن محادثتي على الهاتف قد أحبطت همته.

لم أنتبه إلا والراكب يطل من النافذة من بعيد يشير لي إن كنت احتاج مساعدة، فأشرت له أن الأمور تمام، فذهب.

وقت قليل، وأتى رامي،

رامي المنتظر.

عندها تنفست، وشعرت بالخير الحقيقي عند البشر،

وإن كنت مازالت أنتظر.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s