إسمه فلسطين

لو عرفتُكَ لامتلكتُكَ، ولو عرفتني لامتلكتني، فلا أكون ولا تكون. - محمود درويش

لو عرفتُكَ لامتلكتُكَ، ولو عرفتني لامتلكتني، فلا أكون ولا تكون. – محمود درويش

لهم أوطان بأسماء متعددة. ولها وطن واحد بشكلين، إسمه فلسطين.

رأت طيفه طفلةً. في مدرستها، رأت ولداً يشبهه. كان الولد يكبرها سناً أيضاً. قد يكون طيفاً دقيقاً بتفاصيله، تمهيداً لمن ستهاجر إليه في صباها، على متن أول طائرة تقلع من كيانها. وحين جاءت تلك اللحظة، أصبح أمامها بصورةٍ دائمة، شبه يومية. ولكنه كان محجوباً عن عينيها…لعقد بداخلها.

أول مرة لاحظته فيها، كان جالساً على كرسي بلاستيكي. بكنزة سوداء، وبنطال من قماش الجينز الأزرق. ذراعه اليسار ملفوفةٌ على صدره، وكفه مرتاحٌ على ذراعه اليمين. كان هادئاً، ضمن مجموعة من الصاخبين…على غير عادته.

هل لاحظها هو أيضاً وقتها؟ ليست متأكدة. لكن بعدها تتالت النظرات المجردة، والكلمات المتقاطعة. ولكم كرهت تلك الأيام الطويلة.

وجدته يوماً يقف على حافة الفراغ، سانداً ظهره إلى الحائط الجانبي. ينفث دخانه بضيق. يسألونه، ما خطبه. لا تسمع الجواب، فقد توقفت عن سماع نبضات قلبه. ولا تراه، ولكنها تعلم أنه خلفها على مسافة من الوقت. تتصور شكله  بخيالها الجامح. تلتصق تلك الصورة لسنوات قادمة بمخيلتها.

من على طرف المقعد، راقبته مرةً. ظهرها غير مسنود كعادته. لاحظت شعره المقصوص، وكنزته الصفراء. كم تغير شكله. كم تغير ما في جوفه. تغص على صوت أفكارها، وينقذها ميعاد مسبق. لم تكن شاكرة للوقت كما الآن. تقرر: “سأمحي ذاكرة ماضي تماماً.”

يئن قلبها، تمضي متجاهلةً إياه. عقلها قد قرّر؛ هي مرحلة وإنتهت، فتنكب على ما قد يشغلها عن رومانسياته.

تسمع عنه من وقت لآخر لسنواتٍ قادمة. للأسف، كانت تؤمن أن مسار حياتهما سيتقاطع دائماً. حتى سمعت بخبر زواجه.

الحمدلله، أخيراً.

لا، كانت كذبة. القدر يؤشر بسبابته ويضحك.

لم تنم ليلتها جيداً. عادت إلى البيت على شفا حفرة من النواح. أم بكت وقتها فعلاً؟ لا تتذكر، فعينيها من ورائه لم تجف حقاً.

بؤس بعد أمل. وأمل بعد بؤس. ومن ثم بؤس وأمل بنفس الآن.

تلك حالتها المستديمة معه، كالإعاقة. يحتاج قلبها العاجز لكرسي متحرك، ومن ثم عصا أو اثنتين يتكئ عليها.

ولكنه إنقطع عنها مرة أخرى. فعاشت بسلام جزئي من بعده.

محاولة جديدة معه، بلا سبب، بنفس الأمل الزائف. خدعها قلبها المندفع نحو حتفه. لم يردها حينها، كما لم يردها في أي حين. هكذا اكتشفت بالدليل الدامغ. وجدت في داخلها ينبوع إنتظر طويلاً لينفجر، إعتقدت أن الوقت قد حان. والآن صدق حدسها. أطلقت العنان ليأسها، حين إصطدمت بصخرة الواقع. أخطأت بإنجرافها.

“ولكن هناك حكمة من وراء هذا الحزن، صحيح؟”

تسأل بتيهها المعهود كلما بحثت عن وطنها المقصود.

تُجاب بكل ثقة ممن حولها: “أكيد – لا تقلقي، ينتظرك الأفضل.”

وكم تعبت من توقع الأفضل. يلح عليها تساؤل: كيف لإيمانها أن يعمي بصيرتها فتقع بلا ذنب بنفس الذنب؟

لا تعرف للسؤال جواب.

حول كامل مر، حتى تركت حلمها في سماء الطفولة وأطيافها. تعلمت أن تجبر خاطرها بنفسها. من يدري، لعل الجبر بالتجبر…

ولكن إن رحل عنها ذلك الطيف فعلاً، لما إمتدت يد القدر مجدداً؟ ما الذي أغراه لمرافقتها في رحلة على خطوط أحلامها؟
لم تتعلم أي أجوبة جديدة بعد، ولا سبيل للوصول للحكمة الآن.

نسج الواقع خيوط متشابكة مع أطيافها – في وجه رجلٍ يشبهه سرح بوجهها لثوانٍ؛ في سيارة تحمل قطعة منه لحقتها يأساً، حتى إبتعدت عنها لوخز لحظي في معدتها.

آمنت أخيراً، أن به سترحل عميقاً نحو القاع. شهادة ستفنى من أجل فلسطين. ولا يفنى الوطن، وإن بقي حلماً بعيد المنال.

————-

 كالوعد السماوي، في يومه السنوي، رحل الوطن بلا أثر.

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s