صَفَعَهُ، فأَرْدى نَفْسَه

ذلك الحجر، ألا ينْخر فيه مطرُ السّماء، فيخرّ متصدّعاً؟

ذلك الحجر، ألا ينْخر فيه مطرُ السّماء، فيخرّ متصدّعاً؟

على أرضٍ باردة لا سجادة عليها،

يسند ظهره المقوّس،

رافعاً ساقيه إلى الأعلى،

في وضعية استعداد عدّاء على أهُبّة الهرب.

يده على خدّه، يخبّىء إهانته العتيقة بعد أن جدّدت جلدها بما أصابها من حرِّ وحُمْرة.

صفعه، فأرداه باكياً.

يتبادلون بإمساكه. أفراد دُمّروا من قبله، بنفس الطريقة والأسلوب. وأفراد سلبيون، يأملون بتهدئة الأمور، أو يشتكون من قسوة ظالم، بلا موقفٍ رافض يتبعه عمل ثوري، يقلب معادلة البؤس الحتمي. لعل بذلك يُزال عنّا هذا الظلم التاريخي، فننهي حكايةً طالت فقبّحت أرواحاً طاهرة، وأدْمَت قلوباً غضّة.

صفعه، فأرداه مشوّهاً.

لا يعير أي من ذلك المشهد إعتباراً، لا يعنيه عقد الناس في تلك اللحظة، وأولويّاتهم الأنانيّة، وحساباتهم الانتهازية المقيتة، وكل أوساخهم وقذاراتهم.
لا يعنيه سوى جرحه المفتوح. جرح يظهر على وجهه النصف ظاهر، ويرفضه وعيه الفطرّي.
فألمه مكرر؛ ألم من ضعُفت حيلته لصغر حجمه، ولطيبته وكبر عقله، فاستقوى عليه من انكسر ليتشكّل من قبله – تمثالٌ من حجر.

صفعه، فأرداه منكسراً.

يتسأل دائماً، بمنطقه الصائب تماماً: لما؟ لما أصُفع؟ لما أذّل؟
وماذا أفعل ليتوقف هذا كلّه؟ لأعيش مثل غيري ممن حولي، بلا عنف يهدّدني؟
يأتيه الرّد. صفعة أخرى، ويأس حُسم أمره.
يتلبّسه الخوف، كالبعبع ينتظره في كل زاوية.
يعيش في حالة من الإرهاب الساقط سقوطاً عليه، وها قد وجد مدخلاً إلى وجدانه، ليبني عشّاً هناك، بلا أمل للهجرة بعيداً عنه.

صفعه، فأرداه يائساً.

لا يتركونه وحيداً مع بؤسه، لا يحترمون قدسيّة معاناته. يتهمونه بسوء الأخلاق. يستصغرونه، فيتشاطرون عليه. يعيبون أنه مظلوم.
يجيبهم، بما على لسانه من جواب.
أيسمعونه؟

صفعه، فأرداه مظلوماً.

ذلك المظلوم المنكسر المشوه اليائس الباكي، هو من أجمل الناس، وأفضلهم، وأكثرهم حياةً.
لم يتم استعابه، لم يعامل بما يستحق.
أيعوضّه الآن أسفٌ ليس بمحله، ودفءٌ لا يغطي اشمئزازاً يطغي على كيانه؟
أيكفي مستقبله أن يمرح ساعة، ويتأوه ساعات؟

صفعه، فأرداه، وأردى نفسه.

——-

يكمن في كلٍ منَا شظايا حادَة، لا تستمحينا عذراً عمَا نلوم به الزمان.

ولكن، أليس العيب فينا، بأنَنا لم نقتص من تلك الأطراف المدبَبة، بمنشار العقل والوعي والصحوة؟ 

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s