اليوم لا يشبه الأمس

"سيطلع من عتمتي قمر."

“سيطلع من عتمتي قمر.”

عنوان هذه المقال عمره ثلاثة سنين أو يزيد، كنت أنوي بها الحديث عن فلسطين، عن أردوغان، عن وضع المنطقة المبشر بالخير. اليوم، لا أرى فائدة من هذا الصخب الكلامي: ففلسطين كما هي – غزة في معركة لأسابيع، ثم يعود الجميع (أو ليس الجميع) إلى قواعده؛ الضفة والقدس والـ ٤٨ تنتفض، كما انتفضت لها سابقاً، كما ستنتفض دوماً. ومن ثم؟ “ألا بُعداً لعاد”، الكرّة ستتكرر اليوم والأمس والغد. أما أردوغان، فيبقى بالسلطة مرحباً به، والمنطقة تشتعل بفتيل من الفوضى.

لا، لا شيء مبشر بالخير.

لا شيء يدعو للتفاؤل، لا شيء يدعو للأمل العربي العاطفي الهوائي الصبياني الداعي للسخرية. لا شيء سوى حياتك الخاصة، إن عرفت للبشرى طريق.

فالوضع السياسي معقد، بل أكثر من معقد بحيث يعجز عقلك القاصر عن تركيب قطعه، وإن كانت المقاومة كمفهوم ومصطلح بعيداً عن التحزب والتفصل بسيطة ولا تجد بشري أو بهيمي طبيعي يقف إلا معها.

فبالمقاومة تمضي بيومك، تقاوم كل ما يعكر صفوك، تقاوم الأسى وفقدان الأمل، تقاوم من يعاديك ويبغى الشر لك، ممن عرفت سرائرهم بطبائعهم.

بالمقاومة أنت تحيا، كما الأوطان المستعمرة تحيا.

بارقة نور، في ظل الظلام ودماسته.

اليوم لا يشبه الأمس، لأن بالأمس كنت طفلاً، لم تختبر ما مرّ بك من تجارب، لم تطلبها ولكنها كُتبت لك خصيصاً. لأن بالأمس أبهرتك النجوم، وما هي إلا غازات مشتعلة ستنطفئ حتماً، ولم تعِ وقتها أنك على كوكب تعيش، ومن هوائه تتنفس، ومن مياهه ملوثة كانت أم نصف ملوثة، تشرب. لم تعلم أن الكوكب واقعك وحقيقة أمرك، بكل من فيه من علل وأمراض.

منه خرجت وإليه ستعود، عنوةً إن لم ترضَ.

منه خرجت وإليه ستعود.

وفي خضم كل هذه الحكايا السقيمة، وطنك ومجازره الداخلية ودماؤه النازفة لا تحرك فيك ساكناً. فهو يتلبسك، يرجع إليك كما لم تفنيه منك يوماً، يعود إليك كما هو حقيقةً، بلا أقنعة حمقاء آمنتَ بوجودها: وطنك هو الأرض. أرض طُردتَ منها قبل أن تولد، طُردتَ منها بعد أن ولدت، طُردتَ من بقعة ملكتها حقاً راشداً لم تبلغ عمرك الكبير ذاك سوى مرة. ولكنك طُردت.

اليوم ليس كالأمس، لأن كل ما قالوه لك، كل ما عهدته، ليس صحيحاً. ليست الشعوب أساس الأوطان، فالله يستبدل أمماً كاملة وتبقى الأوطان. ليس قلبك أساس حياتك، فالله يملك قلبك وثباته بين يديه. ولست مهماً سوى لنفسك، فأنت على مر الأزمنة والتواريخ، لست سوى فرد وإن رزقك الله بذرية، ستنتهي ويأتي من بعدك أعداد كالنمل.

ليس كل ما قالوه صحيح، فلا تصدق ما يقولوه. فلا فلسطين ستتحرر وأنت على ذلك شهيد، كما لم تتحرر بعد “يقظة” شعوب رضيت بالظلم والقمع شريعة لها. ليس كل ما قالوه صحيح، ولا ما يفعلونه صحيح، تلك شريعتهم هم.

اليوم لا يشبه الأمس، لأن الدنيا ليست كما عرفتها، كما توقعتها، كما أردتها. لأنك كبرت، لأنك لست أنت.

فاكتفِ بشريعتك أنت.

——

سيطلع من عتمتي قمر. – محمود درويش

Advertisements
هذا المنشور نشر في عن فلسطين, عن الحياة وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s