تشويه III: وطن

حيث الرحيل إلى وطن تنتمي إليه

تأتيك صدفة مقدرة في أقل الأوقات مناسبةً.

بحثت طويلاً عن مكان تشد إليه الرحال، تتغنى به ولو سراً، حيث كل شيء لحق لا يشبه أي شيء سبق، ناشداً تجديد روحك ومفتاحها.

ذلك الهدف النبيل كان من ضمن المعقول والمحصول. حقاً، فالأوطان بكل أنواعها، مبعثرة على الطرقات – بكل أنواعها، قديمة كانت أم حديثة، حقيقية أم مزيفة. لكن لم يخب أملك بهذا الوطن. صادقاً، صافياً، رائعاً كان.

فالغرفة، غرفتك الخاصة، ما زالت مخبأك المقدّس، تشعرك بالأمان كما كانت دوماً، بالرغم من إختلاف الأثاث وإحداثيات المكان. كأنّها نقلت كما هي، على جناح مكسور.

والمنزل، يملك عبقاً يأتيك من زمن بعيد، عشته مرتين على حد أقصى. انتميت إليه دوماً، ولو بالإسم، ومن ثم بالروح. استقر بداخلك، حباً وطواعية.

صورة وطن تعنيك، لما فيها من تاريخ يصله بك. وطن هجرّت عنه، ولكنك موعود به. حتى يأتيك في وقت لم تتوقعه، يأتيك حيث تحتاجه، لتعرف قيمته.

قد كتب لك نصيباً، قبل ولادتك. لم تره وقتها، بدراية أو بغفلة منك، بحجاب غُلّف به نظرك لسنين. ذاك الوطن كما اكتشفت، قد تعرض لهزّات أصابت جوهره وكيانه. وقف صامداً، على أي حال. لم يملك خياراً بالسقوط.

وطن يمثلك، بكل ما فيه، حتى باختلافاته عنك.

أما قضية التزامن – إلتقاء الماضي بالحاضر بالمستقبل – فهي غامضة، تدعو لوقفة تأمل؛ كحكمة قدر، استجابة لصرخة استغاثة لم تطلقها قط. بل لم ترد غيثاً، لم تعرف ما الذي كان ينقصك على أي حال.

أنت بذاتك أردت أن تعيش مع تشويهك. ألفته، كما يألف العبد سيده، الأسير جلّاده، المريض خاطفه، من طول مدة الوهم. تدخل القدر، بوطن رحلت له أخيراً، رائحته مألوفة، رائحته تملكها في ذاكرتك القادمة.

أخيراً، تدخل القدر خيراً، فلا ينتشر تشويهك الموبوء، ليصل لبؤرة روحك، حيث تقيحها يبطلها، فيبطلك حياً ترزق.

لم تبطل، ولن تبطل، مادام ذلك الوطن موجود، يحميك حتى من نفسك. على أرضه، يريدك ساكنه ومحتله. بباقة ورد يهديها، رداً لضرر قد بليت به. يغمرك في مائه، وجهك مبلل بالكامل، تخرج وتنظر في المرآة.

تحمد الله على عطائه، ها أنت ترى عينيك بوضوح.

—-

قلبه يكفينا نحن الاثنان.

Advertisements
نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , | أضف تعليق

صَفَعَهُ، فأَرْدى نَفْسَه

ذلك الحجر، ألا ينْخر فيه مطرُ السّماء، فيخرّ متصدّعاً؟

ذلك الحجر، ألا ينْخر فيه مطرُ السّماء، فيخرّ متصدّعاً؟

على أرضٍ باردة لا سجادة عليها،

يسند ظهره المقوّس،

رافعاً ساقيه إلى الأعلى،

في وضعية استعداد عدّاء على أهُبّة الهرب.

يده على خدّه، يخبّىء إهانته العتيقة بعد أن جدّدت جلدها بما أصابها من حرِّ وحُمْرة.

صفعه، فأرداه باكياً.

يتبادلون بإمساكه. أفراد دُمّروا من قبله، بنفس الطريقة والأسلوب. وأفراد سلبيون، يأملون بتهدئة الأمور، أو يشتكون من قسوة ظالم، بلا موقفٍ رافض يتبعه عمل ثوري، يقلب معادلة البؤس الحتمي. لعل بذلك يُزال عنّا هذا الظلم التاريخي، فننهي حكايةً طالت فقبّحت أرواحاً طاهرة، وأدْمَت قلوباً غضّة.

صفعه، فأرداه مشوّهاً.

لا يعير أي من ذلك المشهد إعتباراً، لا يعنيه عقد الناس في تلك اللحظة، وأولويّاتهم الأنانيّة، وحساباتهم الانتهازية المقيتة، وكل أوساخهم وقذاراتهم.
لا يعنيه سوى جرحه المفتوح. جرح يظهر على وجهه النصف ظاهر، ويرفضه وعيه الفطرّي.
فألمه مكرر؛ ألم من ضعُفت حيلته لصغر حجمه، ولطيبته وكبر عقله، فاستقوى عليه من انكسر ليتشكّل من قبله – تمثالٌ من حجر.

صفعه، فأرداه منكسراً.

يتسأل دائماً، بمنطقه الصائب تماماً: لما؟ لما أصُفع؟ لما أذّل؟
وماذا أفعل ليتوقف هذا كلّه؟ لأعيش مثل غيري ممن حولي، بلا عنف يهدّدني؟
يأتيه الرّد. صفعة أخرى، ويأس حُسم أمره.
يتلبّسه الخوف، كالبعبع ينتظره في كل زاوية.
يعيش في حالة من الإرهاب الساقط سقوطاً عليه، وها قد وجد مدخلاً إلى وجدانه، ليبني عشّاً هناك، بلا أمل للهجرة بعيداً عنه.

صفعه، فأرداه يائساً.

لا يتركونه وحيداً مع بؤسه، لا يحترمون قدسيّة معاناته. يتهمونه بسوء الأخلاق. يستصغرونه، فيتشاطرون عليه. يعيبون أنه مظلوم.
يجيبهم، بما على لسانه من جواب.
أيسمعونه؟

صفعه، فأرداه مظلوماً.

ذلك المظلوم المنكسر المشوه اليائس الباكي، هو من أجمل الناس، وأفضلهم، وأكثرهم حياةً.
لم يتم استعابه، لم يعامل بما يستحق.
أيعوضّه الآن أسفٌ ليس بمحله، ودفءٌ لا يغطي اشمئزازاً يطغي على كيانه؟
أيكفي مستقبله أن يمرح ساعة، ويتأوه ساعات؟

صفعه، فأرداه، وأردى نفسه.

——-

يكمن في كلٍ منَا شظايا حادَة، لا تستمحينا عذراً عمَا نلوم به الزمان.

ولكن، أليس العيب فينا، بأنَنا لم نقتص من تلك الأطراف المدبَبة، بمنشار العقل والوعي والصحوة؟ 

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

تشـويه II

كل ما تحويه، يظهر في عينك

كل ما تحويه، يظهر في عينك

لم ترحمك، إزداد كل ما فيها من صديد، كأن عمرها قد انتهى. صدِأ ذلك المفتاح الكاشف لروحك.

ساءت الأمور لدرجة الإنغلاق التام، ولظروف خارجة عن سيطرتك، لم تستطع أن تنسحب من عالمك الخارجي تماماً.

تحسنت الأمور قليلاً بعدها، فانشغلت في البحث عن حل جذري لتلك العقدة التي تأكل كل ما في جوفك، ولم يسلم جوفك.

ذهبت مصاحباً وحدتك إلى الطبيب، بناءً على موعد مسبق.

نزعوا عنك ملابسك، وألبسوك زي ممزق بحجة التعقيم.

رميت بنفسك في لج المجهول، ومن ثم سلمَتها لهم طواعيةً.

جلست تنتظر دقائق طوال – على بعد خطوات من طاولة التشريح.

نزعت عدستك المؤقتة، وألقيت بنظرك في أقرب سلة للمهملات.

قطرة، ثم تخدير، ومن ثم استخدموا الحديد.

لم تشعر بشيء؛ من جفنك الأعلى لعينك السفلى، لم تشعر باستئصال تلك البذرة التعيسة.

لفوك بالشاش الأبيض – الجرح الذي ازْرق، وألقوا على مسامعك ما أوصى به الطبيب.

شكرتهم، ثم تركتهم يوصلوك حيث تركت سترتك.

أصبحت تمشي معتمداً على نصفك الأقل تشويهاً، داعياً أن لا يخذلك كل ما تبقى لك – ذلك التشويه.

اكتملت، ومن ثم اهتديت بذاكرتك، وأصبع أصلح لك اتجاهاتك.

عينك مكممة، ولكن عليك العودة إلى المنزل كما أتيت، لوحدك.

ترقبت نظرات الاستهجان ممن صادفك في طرقات الشمس القاحلة…من كل شيء، حتى العاطفة.

لم تعد أدراجك، لم يكن ذلك خياراً أمامك؛ واصلت التقدم، بزاوية عمياء.

وبلا شك – أحياناً اجتاحتك الرغبة في الإصطفاف تحت أقرب شجرة تظلك، والنحيب.

قد تشفي دموعك جفاف الأرض.

لكنك تدري…أن عيناً واحدة لا تكفي لتغطي كل ذلك الجفاف.

الأهم، أن كل الأشجار يتخللها غبار – هواء متبخر من أبعد أفق قد يصله نصف نظرك.

غبار قد يأخذ كامل نظرك، بعد أن دخل جوفك، بعد سنين من الطرق والحرق.

أحسست بالخوف من التوقف؛ أحسست بالخوف من الشجر، من الهواء، من البذور.

فضّلت المضي، قابضاً على جمرة دنياك – محصول ذلك اليوم.

وصلت المنزل أخيراً، حمدت الله، ومن ثم نمت.

استيقظت على ألم قديم –

تشويه قديم…تحمله معك إلى وطن جديد.

وعادة ما ينتظرك خيط أبيض يقشع من خلف الغيوم…

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

تشـويه I

من الحكمة أن تتخلص من كل ما هو قديم، ولو بأقسى الطرق.

من الحكمة أن تتخلص من كل ما هو قديم، ولو بأقسى الطرق.

منحك الله القدرة المتناهية على التمثيل.

خدعت الجميع، بلا استثناء.

لم يدروا شيئاً عنك؛ ما في روحك، قلبك، عقلك.
أحسنت الإختباء جيداً.
أحسنت.

حتى نزل المطر ذات مساء.

بدأ قناعك بالتحلل البطيء، نزل اللون الإصطناعي مع انسياب الماء وتسلطه الذي لا طاقة لك بفهمه. الستار الصوفي بدأ بالتحول إلى ستان شفّاف.

أحدثت قطرات المطر بشوائبها الصحراوية خروقاً في روحك، حتى أصبحت خرقة مهترئة أصابها البلل القذر. إنهارت قلاع معنوياتك، فبحثت عن علم أبيض ترفعه فوق أعلى برج لك؛ أبراجك كلها منبسطة على الأرض، بعد أن كانت يوماً متناثرة حولها. لم تجد شيئاً لونه أبيض، ولا حتى طباشير طفولتك.

تذكرت قلبك فجأة. تذكرت أنك لم تنسى. لم تسعفك تلك الواقعة من حادثة اليوم. كانت مع الماضي عليك ضدك.
في أفضل حالاته، كان قلبك يسبح بين الغيوم؛ يدخل إحداها ويخرج من أخرى. لا يؤمن بفيزيائية المواد. أما في أسوأ حالاته، يفقد خياله الذي هو شريان حياته، ويعلق في واقعه، داخل غيمة. وقتها لا يدري بماذا يؤمن تحديداً.
لكن تدفق الدم قد توقف في عروقك. أصبحتَ كشعلة بلا كربون، وتعطلت ديناميكية أعضائك.
عظامك لم تتأثر، فهي باقية ما بقيت، كيفما بقيت، وحتى بعد وصولك للبرزخ.
المؤسف، أن كل أعضائك أصابها العطب، وعقلك العضو الوحيد الذي يعمل بوقت إضافي.
ذلك الأحمق مازال يطعّم نزول المطر، يشحذ قوتها وطاقتها، عليك ضدك.
أفكارك تطايرت بلا رقيب يقصها، ولا مصفاة تنقحها، فيغري لسانك بما لا تطيق قوله في وضعك “الطبيعي”.
أو يشل لسانك تماماً. فلا تقول شيئاً، يصبح وجوده كعدمه. يصبح وجودك كعدمه.
عندها تتقمص أفكارك وجهك؛ يصبح ممسوساً بكل ما ينتقل بين خلايا دماغك.
يصل العطب أخيراً إلى نقطة قريبة من عقلك، إلى عينك. سقطت قطرة تحت جفنك. لا تدري ماذا تفعل. فقد سقطت القلاع، توقفت الدماء، شل اللسان.

ألا أُفّ للمطر؛ ها قد أصابك بتشويه.

وما كل ما قد سبق، ذهب مع هبوط سوق اللؤلؤ والسمك.

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , , | أضف تعليق

إسمه فلسطين

لو عرفتُكَ لامتلكتُكَ، ولو عرفتني لامتلكتني، فلا أكون ولا تكون. - محمود درويش

لو عرفتُكَ لامتلكتُكَ، ولو عرفتني لامتلكتني، فلا أكون ولا تكون. – محمود درويش

لهم أوطان بأسماء متعددة. ولها وطن واحد بشكلين، إسمه فلسطين.

رأت طيفه طفلةً. في مدرستها، رأت ولداً يشبهه. كان الولد يكبرها سناً أيضاً. قد يكون طيفاً دقيقاً بتفاصيله، تمهيداً لمن ستهاجر إليه في صباها، على متن أول طائرة تقلع من كيانها. وحين جاءت تلك اللحظة، أصبح أمامها بصورةٍ دائمة، شبه يومية. ولكنه كان محجوباً عن عينيها…لعقد بداخلها.

أول مرة لاحظته فيها، كان جالساً على كرسي بلاستيكي. بكنزة سوداء، وبنطال من قماش الجينز الأزرق. ذراعه اليسار ملفوفةٌ على صدره، وكفه مرتاحٌ على ذراعه اليمين. كان هادئاً، ضمن مجموعة من الصاخبين…على غير عادته.

هل لاحظها هو أيضاً وقتها؟ ليست متأكدة. لكن بعدها تتالت النظرات المجردة، والكلمات المتقاطعة. ولكم كرهت تلك الأيام الطويلة.

وجدته يوماً يقف على حافة الفراغ، سانداً ظهره إلى الحائط الجانبي. ينفث دخانه بضيق. يسألونه، ما خطبه. لا تسمع الجواب، فقد توقفت عن سماع نبضات قلبه. ولا تراه، ولكنها تعلم أنه خلفها على مسافة من الوقت. تتصور شكله  بخيالها الجامح. تلتصق تلك الصورة لسنوات قادمة بمخيلتها.

من على طرف المقعد، راقبته مرةً. ظهرها غير مسنود كعادته. لاحظت شعره المقصوص، وكنزته الصفراء. كم تغير شكله. كم تغير ما في جوفه. تغص على صوت أفكارها، وينقذها ميعاد مسبق. لم تكن شاكرة للوقت كما الآن. تقرر: “سأمحي ذاكرة ماضي تماماً.”

يئن قلبها، تمضي متجاهلةً إياه. عقلها قد قرّر؛ هي مرحلة وإنتهت، فتنكب على ما قد يشغلها عن رومانسياته.

تسمع عنه من وقت لآخر لسنواتٍ قادمة. للأسف، كانت تؤمن أن مسار حياتهما سيتقاطع دائماً. حتى سمعت بخبر زواجه.

الحمدلله، أخيراً.

لا، كانت كذبة. القدر يؤشر بسبابته ويضحك.

لم تنم ليلتها جيداً. عادت إلى البيت على شفا حفرة من النواح. أم بكت وقتها فعلاً؟ لا تتذكر، فعينيها من ورائه لم تجف حقاً.

بؤس بعد أمل. وأمل بعد بؤس. ومن ثم بؤس وأمل بنفس الآن.

تلك حالتها المستديمة معه، كالإعاقة. يحتاج قلبها العاجز لكرسي متحرك، ومن ثم عصا أو اثنتين يتكئ عليها.

ولكنه إنقطع عنها مرة أخرى. فعاشت بسلام جزئي من بعده.

محاولة جديدة معه، بلا سبب، بنفس الأمل الزائف. خدعها قلبها المندفع نحو حتفه. لم يردها حينها، كما لم يردها في أي حين. هكذا اكتشفت بالدليل الدامغ. وجدت في داخلها ينبوع إنتظر طويلاً لينفجر، إعتقدت أن الوقت قد حان. والآن صدق حدسها. أطلقت العنان ليأسها، حين إصطدمت بصخرة الواقع. أخطأت بإنجرافها.

“ولكن هناك حكمة من وراء هذا الحزن، صحيح؟”

تسأل بتيهها المعهود كلما بحثت عن وطنها المقصود.

تُجاب بكل ثقة ممن حولها: “أكيد – لا تقلقي، ينتظرك الأفضل.”

وكم تعبت من توقع الأفضل. يلح عليها تساؤل: كيف لإيمانها أن يعمي بصيرتها فتقع بلا ذنب بنفس الذنب؟

لا تعرف للسؤال جواب.

حول كامل مر، حتى تركت حلمها في سماء الطفولة وأطيافها. تعلمت أن تجبر خاطرها بنفسها. من يدري، لعل الجبر بالتجبر…

ولكن إن رحل عنها ذلك الطيف فعلاً، لما إمتدت يد القدر مجدداً؟ ما الذي أغراه لمرافقتها في رحلة على خطوط أحلامها؟
لم تتعلم أي أجوبة جديدة بعد، ولا سبيل للوصول للحكمة الآن.

نسج الواقع خيوط متشابكة مع أطيافها – في وجه رجلٍ يشبهه سرح بوجهها لثوانٍ؛ في سيارة تحمل قطعة منه لحقتها يأساً، حتى إبتعدت عنها لوخز لحظي في معدتها.

آمنت أخيراً، أن به سترحل عميقاً نحو القاع. شهادة ستفنى من أجل فلسطين. ولا يفنى الوطن، وإن بقي حلماً بعيد المنال.

————-

 كالوعد السماوي، في يومه السنوي، رحل الوطن بلا أثر.

نُشِرت في عن فلسطين | الوسوم: | أضف تعليق

ميلاد

ليلاً يحلق طيراً حراً نحو القمر. لا يبتعد عن ضوئه وإن إحتاج دفئاً بين القبور.

في النهار، قبالة الشمس، هو طيرٌ ساقط.

ذلك القرص المنفعل يستهلكه، يحرق عينيه، يلتهم قلبه.

حتى في يومٍ جديد، لا حول له ولا قوة.

تزجره الشمس: “ابتعد عني.”

يشتعل الطير في الهواء؛ نجم أصغر، أقرب.

تجذبه الأرض تدريجياً نحوها.

ذرات الهواء تثقل أجنحته، فتزيد من سرعة إنحداره.

هو نجم ساقط، لا محالة.

لم تمسكه الأرض، لم تتحمل حرارته.

لم تتقبل قدرته على الإنكسار المؤبد إلى مئة قطعة، لتتفتأ الجروح القديمة.

“لا نريد دماً هنا”، تحذر الأرض.

كان البحر حوضاً ممتلئاً به.

يرتطم بسطح الماء. يسمع صوتها تنطفىء –

النار التي اتخذته ناقلاً.

يفتح منقاره، لا يخرج شيء.

يحاول مرة ومراراً، لا شيء.

في يأسه، لا يوقف تبلله المؤقت، فيترسب في القاع كالملح.

البحر متشبعاً، يهدد: “لا داعي لإدعائك.”

ترفضه الأمواج. يطل برأسه بين إثنتين، ها قد هل القمر.

الطائر الطنان، يسترجع صوته.

الطائر الطنان، أضاء آخيراً، من الداخل.

طير ساقط

طير ساقط

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , | أضف تعليق

رامي المُنْتَظَر

ومازلت أنتظر...

ومازلت أنتظر…

يوم من أيام الصيف الإعتيادي، أخرج من العمل بطريق لا أسلكه كثيرا.

صوت الراديو عالي إلى حد ما، ولكن ما أسمعه أعلى كونه حفّز نواة الشك في نفسي.

تعطلت السيارة. لا، “بنشر” العجل فقط. ولكن توقفت السيارة كلها عن التقدم للأمام. شلت تماما.

ما أن أحسست بما حدث، حتى توترت أعصابي لدرجة الغثيان.

ولا ألوم نفسي، فمكان توقفي صعب، خصوصا تحت الشمس.

أول ما خطر ببالي وفعلت، إتصالي بأخي رامي حتى يأتي. وبدأت أنتظر.

ولم أنتظر طويلا، حتى سمعت بطرق خفيف على نافذة باب الراكب.

كنت مشغولة بهاتفي المحمول، فلم أنتبه لمن أوقف سيارته خلفي وتقدم إلى الجانب اليمين حيث العجل الممزق.

فتحت النافذة. شاب سوري، أخضر العينين بلون علم الثورة المعلق على مرآة سيارته الأمامية.

“خير إن شاء الله؟”

“لا أدري، أظنه العجل.”

سألني إن كان معي عجل بديل؟ أجبت بلا.

قال: “متأكدة؟ قد أتحقق.”

قلت له بإبتسامة أعتذر وأمتن له بها، “أجل، متأكدة.”

سألني إن إتصلت على أحد، إن كان أحدهم قادم؟ قلت: “أجل – أخي سيفعل.”

شكرت له لطفه، فذهب بحال سبيله.

الثاني كان سائق باص صغير.

عندما رآني رجع بها إلى الخلف، ثم نزل. هندي بسيط، سألني ما الخطب، قلت له ما حدث.

أعطاني حل عبقري؛ قال لي: “أحمل لك العجل، أنفخه وآتي به مرة أخرى.”

شكرت له عرضه الكريم، ووقوفه لمساعدتي. ولكني أنتظر أخي، وسيأتي ومعه الحل.

لا أدري دقة ترتيب من أتى بعد ذلك، ولكن بعد من توقف ثانيا، أصبح الموضوع كوميديا.

أصبحت أمسك نفسي عن الضحك، وبدأت أفكر بكيفية الإعتذار للناس على وقتهم الذي خصصوه لمساعدتي، كفتاة في محنة.

حتى أني فكرت أن أعلق ورقة على السيارة أو أحملها بيدي تقرأ: “شكرا، استمر بالقيادة.”

ثم توقفت “هاف لوري”، فيها شابان صغيران من البدو.

نزل السائق على إستحياء. وبدون أي تعابير أو مقدمات، يسألني إن كنت أحتاج مساعدة؟

قلت، بدون أي تعابير أو مقدمات، “لا، شكرا.”

ذهب بسرعة ما أتى.

ثم أتى رجل بعمر أبي أو يصغره قليلا، من أهل البلد. يسألني كمن يعاتبني على الموقف الذي وضعت فيه.

إستند على النافذة المفتوحة: “ها، ماذا هناك؟”

شرحت له القصة. أراد المساعدة. “لا، شكرا. أخي قادم.”

أفكر وأتصل: “رامي، وينك؟”

ومن ثم توقف لي رجل من الحرس الوطني.

بكل إندفاع، لم يسمعني، ذهب يتحقق بنفسه.

“طيب، أحدهم قادم؟”

“أجل، أجل – أخي.”

“يعني أتوكل أنا؟”

“أجل أجل، الله معك. شكرا جزيلا.”

ثم ذهب.

تبعتها سيارة دفع رباعي مرتفعة، عجلاتها بإرتفاع سيارتي.

أوقفها على مقربة من وسط الشارع، كأن الشارع ومن فيه بيته.

صدق حدسي – نزل منها رجل بلباس شرطة.

واثق، كما تتطلب طبيعة عمله، يسألني أين عجل الإحتياط؟ كأنه إتهام مبطن. وأيضا ذهب بعد أن تأكد أن أحدهم قادم لنجدتي.

أصبحت حينها أحزر نفسي من سيتوقف لي من السيارات التي تعبر بجانبي.

مرت سيارة سوداء، أبطأت وهي تمشي، فتوقعت أن تتوقف. ولكنها لم تفعل.

إستمررت بإشغال نفسي، متمنية أن ينتهي هذا الكابوس وذلك الإحراج المتكرر.

نظرت إلى الأعلى، لأرى السيارة ذاتها قد لفت ورجعت لي.

نزل الراكب، سألني عن الخطب.

أصابه الهم عندما عرف أنه العجل، كأنه أراد مساعدتي ولكنه لا يعرف كيف يبدل العجل.

إختصرت عليه القلق: “لا بأس، أخي قادم، وشكرا لك.”

ذهب في سبيله.

آخرهم لم أر وجهه؛ أتى وأنا أتحدث بالهاتف مع رامي، أحاول أن أشرح له بالتفصيل أين أنا.

لاحظت سيارة متوقفة على مسافة مني، وتحاول أن ترجع إلى الوراء لتصل لي.

والغريب أن ذلك ما فعله أغلبهم، ولكن هذا بالتحديد أخذ وقتا طويلا؛

أيعقل أن السائق فتاة؟ أستبعد. الأغلب أن محادثتي على الهاتف قد أحبطت همته.

لم أنتبه إلا والراكب يطل من النافذة من بعيد يشير لي إن كنت احتاج مساعدة، فأشرت له أن الأمور تمام، فذهب.

وقت قليل، وأتى رامي،

رامي المنتظر.

عندها تنفست، وشعرت بالخير الحقيقي عند البشر،

وإن كنت مازالت أنتظر.

نُشِرت في عن الحياة | الوسوم: , , , , | أضف تعليق